أعلن وزير الدفاع التونسي رشيد الصباغ، أن بلاده ستطبّق قانون الطوارئ بكل صرامة، منبهاً إلى أن السلطات لن تتساهل مع كل من يخرق القانون . ويعطي قانون الطوارئ وزير الداخلية صلاحيات واسعة منها، وضع الأشخاص تحت الإقامة الجبرية، ومنع الاجتماعات وحظر التجول، وتفتيش المحال ليلاً ونهاراً، ومراقبة الصحافة والمنشورات والبث الإذاعي والعروض السينمائية والمسرحية، من دون وجوب الحصول على إذن مسبق من القضاء . كما يعطي الوالي المحافظ في الولايات صلاحيات استثنائية واسعة، مثل: فرض حظر تجوال على الأشخاص والعربات، ومنع الإضرابات العمالية . ومنذ إطاحة الرئيس السابق زين العابدين بن علي العام 2011 تم فرض حالة الطوارئ في البلاد، ويتم الآن تشديدها بسبب تنامي التيارات السلفية المتشددة التي أقدمت في مطلع شهر مايو/أيار المنصرم على قتل ضابط شرطة في منطقة جبل الجلود جنوب العاصمة بطريقة وحشية، حيث قاموا بذبحه وأعملوا السيوف في جسده .
وتشهد تونس منذ سقوط النظام السابق ظهوراً كثيفاً لهذه الجماعات المتطرفة التي ملأت الشوارع بالتزامن مع وصول حركة النهضة الإخوانية إلى الحكم في أكتوبر/تشرين الأول العام ،2011 وانتهج المتطرفون أسلوب الصلاة الجماعية في شارع الحبيب بورقيبة في العاصمة تونس أمام أعين الأمن، ومؤخراً، أعلنوا ما يسمونه الجهاد، فاشتبكت مجموعة متطرفة مع الجيش التونسي في منطقة جبل الشعانبي من ولاية القصرين الحدودية مع الجزائر، كان عددهم خمسين شخصاً بينهم أشخاص لا يحملون الجنسية التونسية . واكتشف الجيش وجود تحصينات، وخزانات للمياه، ومخازن للسلاح والذخيرة والغذاء ومتفجرات وألغام، ما يعني أن هؤلاء المتطرفين كانوا يحضرون لمعركة طويلة مع الجيش . ويطرح تنامي التيار المتطرف في تونس تساؤلاً عن السبب في ذلك .
الواقع أن هؤلاء لم يظهروا فجأة، بل كان لهم وجود منذ مدة طويلة في تونس، لكنهم كانوا ينشطون في الخفاء مثل حلفائهم أعضاء حزب النهضة الإخواني الحاكم، وكان الأمن التونسي يلاحقهم ويعتقل من يقع بين يديه منهم . لكن بعد انهيار النظام، ووصول حركة النهضة إلى الحكم، تم إطلاق العنان لهم ليسرحوا ويمرحوا في البلاد التونسية، وكأنّ هناك تحالفاً غير معلن بينهم وبين حركة النهضة . فالطرفان يريدان إقامة ما يسمى دولة الخلافة وهما يحملان نفس الفكر الدعوي لجهة أسلمة المجتمع وإقامة نظام الحسبة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وتريد حركة النهضة أيضاً أن تستقوي بهؤلاء المتطرفين في وجه الأحزاب والتيارات اليسارية والعلمانية، وفي هذا الصدد جاء اغتيال المعارض اليساري شكري بلعيد في فبراير/شباط الماضي، من أجل إخافة الخصوم السياسيين، ودفعهم إلى ترك المجال السياسي أمام حركة النهضة . والواقع أن ازدياد نشاط الجماعات المتطرفة، وضع حركة النهضة في حرج بالغ، فهي أمام خيارين، إما أن تعلن براءتها تماماً منهم، وتصبح في مواجهة مفتوحة معها من أجل إنقاذ تونس، وإما أن تغض الطرف عنهم، فتصبح، بالتالي، في مواجهة مع التيارات والأحزاب اليسارية والعلمانية التي ترفض وجودها . ولعل تشديد حالة الطوارئ لن يجدي نفعاً، لأن التيارات المتطرفة التي تجرأت على حمل السلاح لن يخيفها تشديد الطوارئ، ولا أي قانون آخر . والحل الوحيد مع هذه الجماعات هو المواجهة العسكرية، ولن تقدم حركة النهضة على هذا الخيار الذي يهدد وجودها هي أيضاً . ومن هنا، فإن تونس مقبلة على فوضى، وربما حرب أهلية بين من يريد إقامة دولة الخلافة، وبين من يريد إقامة دولة الحق والقانون . بين من يريد أسلمة المجتمع، وبين من يريد تحرير المجتمع . إن حركة النهضة التي وصلت إلى الحكم، ولديها مشروعها الإسلامي لن تترك الحكم بسهولة، ولن تخضع للعبة الديمقراطية، بل ستعمد إلى تمتين أركانها في كل مكان، ما سيدفع المعارضين لها إلى قلب الطاولة عليها، وعلى حلفائها من جبهة التطرف والإرهاب .
نتمنى لتونس الشقيقة هذا الشعب العربي الأصيل الذي كان دائماً متسامحاً، أن يأخذ بأسباب الحكمة لإنقاذ بلده من كابوس الفتن والاختلاف، وأن يعمل على إعلاء التنوع الثقافي والحضاري والتسامح من خلال رؤية أخلاقية للدين، منفتحة على آفاق العلم والمكتسبات الحضارية، فالبناء مهمة صعبة، ولا بد من إنجازها، ولا بد من السير في مسيرة التحديث والتطوير حتى تحيا تونس، وتبقى واحة للأمن والاستقرار كما كانت دائماً .