تناول كتّاب وسياسيون كثر موضوع الميليشيات المسلحة، وتباينوا في تعريفها بسبب تباينهم في التوجهات والانتماءات، فهي حركة نضالية، وحركة خارجة على القانون، وعصابات موالية للحكومات، وهي تابعة للدولة التي تعمل في أراضيها، أو تابعة لدولة أخرى، وهي دينية وسياسية وجهادية، أو تخلط العناصر جميعها معاً .
والتاريخ مملوء بظاهرة الميليشيات المسلحة، التي حاربت الاستعمار أو تضامنت معه، أو انشقت عن الدولة، وصارت معارضة مسلحة، وغير ذلك مما يعرفه العارفون، إلا أننا لسنا بصدد الدخول في التعريفات المتباينة والمتناقضة لمفهوم الميليشيات، لأنها وطنية وشرعية ومقاومة عند البعض، وخارجة على القانون عند البعض الآخر، ولكننا سنتعرض إلى هذه الظاهرة المنتشرة في الوطن العربي، كما هي منتشرة في آسيا، ومعظم الدول النامية . ونظرة عابرة إلى لبنان وفلسطين والسودان والعراق والجزائر والصومال وأفغانستان وباكستان والهند والفلبين وإندونيسيا وغيرها، سنجد أنها تعيش تحت وطأة الارتباك والخوف وضبابية الرؤية، ووجود هذه الميليشيات التي تنضوي تحت تنظيمات أو حركات سياسية، يفتح المجال أمام عصابات التهريب، وقطاع الطرق، والتجار والعصابات اللاأخلاقية للعمل واستغلال الظروف لتعيث فساداً، فتجمع الثروات وتمارس الإجرام، ويحدث هذا أحياناً بحماية بعض الميليشيات المسلحة، ولأنها شعبية، فمن الصعب أن تضبطها أو تجعلها تسلك وفق سلوك نظامي معيّن، لأنها مدفوعة أحياناً بمرجعيات قبلية أو عائلية أو مذهبية، وبهذا، يسود أمران، التطرف والفوضى، اللذان يؤثران في العمل المقاوم، الذي تتسم به بعض التنظيمات والحركات .
وحين يتعرض بلد ما لاحتلال يتعرض لفوضى مربكة، كما يحدث حالياً في العراق، فهذا البلد الذي لا يُحسد على ما يعانيه يومياً من وجود مئات الأحزاب والتنظيمات والحركات التي تنضوي تحت أفكار مختلفة ومسميات متباينة، تعيش فيه عصابات إجرامية، وشخصيات متسلطة، حتى قيل إن العراق استبدل صدام بمئات الصداميين، بل إن كثيرين يترحمون على صدام حسين، لأن الصداميين الجدد يعيثون في الأرض فساداً . ولنتخيل معاً، كل رئيس حزب من هذه الأحزاب التي تعد بالمئات، لا يتحرك إلا بحماية مسلحة، بل إن كل عضو برلمان ووزير ووكيل وزارة في الخدمة أو خارج الخدمة، لا يتحرك إلا بحماية مسلحة، وكل واحد منهم يعطي لنفسه الحق بأن يمارس سيادة غير عادية، فينتهك القانون، ويمارس السلطة على الناس، وينفذ ما برأسه (الصدامي)، ويمشي في موكب، ما يجعل الحياة في العراق سمة بوليسية، فإذا أضفنا إلى كل هذا ميليشيات العشائر، وميليشيات تدعمها الدولة، وميليشيات يدعمها الاحتلال، وأخرى تدعمها إيران، فإننا سنحصل على صورة فانتازية للعراق، الذي لا يحكمه قانون ولا نظام، وكل هذا بسبب الاحتلال الذي لم يضع خطة لمرحلة ما بعد صدام، وحتى لو وضع خطة، فإن التناقضات المفتعلة، وعمليات الثأر السياسي والاجتماعي والمذهبي، جعلت العراقيين العاديين تواقين لممارسة فعل ما، ما كانوا ليفعلوه في ظل حكومة قوية ونظام متين .
أما في فلسطين، فالموضوع قد يكون أكثر تعقيداً، حيث يصنف البعض أنفسهم على أنهم تنظيمات جهادية تحارب الاحتلال، وأخرى تنظيمات تود التوصل إلى سلام مع الاحتلال، وتنظيمات تتمتع بفكر ليبرالي، وتنظيمات تابعة إلى تنظيمات، وتنظيمات تحكم، وتنظيمات تعارض، وما بين هذه التنظيمات التي تمتلك ميليشيات مسلحة، هنالك مجموعات مسلحة تمارس الأفعال الإجرامية من بينها القتل والسرقة والابتزاز، ناهيك عن المجموعات الانتحارية، وفي ظل غياب قوة القانون، فإن المواطن العادي لديه أمنية واحدة في حياته، هي مغادرة أراضي السلطة، ليتلاقى بهذا مع أمنية المواطن العراقي العادي، الذي لم يزج برأسه في دوائر العصابات والانتفاع .
وتزداد المسألة تعقيداً في لبنان، فالميليشيات تأخذ طابعاً دينياً وسياسياً في آن، بعضها يتحالف مع المعارضة، وبعضها الآخر مع النظام، ناهيك عن وجود التنظيمات الفلسطينية، والميليشيات الإسلامية المتعددة، وبناء على ذلك، يحوّل الشعبان اللبناني والفلسطيني إلى أعضاء في ميليشيات . وبغض النظر عن شرعية أو لا شرعية هذه الميليشيات، أو عن كونها مقاومة أو انتفاعية، إلا أن هناك سلاحاً غير سلاح الدولة يتواجد على الأرض، ويكفي أن تنشأ مشكلة بسيطة، حتى ينقسم لبنان إلى مناطق نفوذ، يسيطر كل حزب على رقعة ما، حيث يقف سلاح الدولة أحياناً عاجزاً عن السيطرة، وما حدث في مخيمي نهر البارد والبداوي يدل على الاختراقات الأمنية، التي أدت إلى تهجير المهجرين، وافتقار الفقراء، وزيادة معاناة الناس والأجيال الصاعدة .
وفي السودان تتشابك الأمور، وتتصارع المصالح الدينية والاقتصادية، مدعومة بنفوذ عالمي داعم لجهات محددة . وفي الجزائر لا تزال الميليشيات المسلحة تقض مضجع السلطة هناك .
إن نظرة معمقة للعديد من أنظمة الحكم، نراها تحكم أيضاً متبعة سياسة الميليشيات، فالسلطة التي تستخدم قوتها الأمنية للتنكيل بالشعب، لا تختلف كثيراً عن الميليشيات غير الشرعية قياساً إلى قانونيتها أو شرعيتها، فالقانون غائب في كلتا الحالتين، ومن يدفع الثمن هو المواطن العادي، الذي يعيش إما تحت وطأة الميليشيات الشعبية، أو تحت وطأة النظام الأمني، الذي يمارس مصادرة الحريات، ويضيق على المثقفين والمتنورين والوطنيين، ويخطف السلطة ويجعلها رهينة لديه .
هنالك أسباب عديدة تقف وراء هذه الحالة من حكم الميليشيات وأهمها: غياب العدالة الاجتماعية والشفافية السياسية ومرونة انتقال السلطة، ومصادرة دور المثقفين وأصحاب الرأي والعلماء عن الحياة العامة، وجعل السلطة في أيدي أصحاب النفوذ السياسي، وانتشار الفقر في الوطن العربي وتسلل التنظيمات والأحزاب والميليشيات من هذا الباب، والفجوة بين السلطة والشعب، وغياب التناغم والتكامل فيما بينها، وغياب الإنتاج وفشل الاكتفاء الذاتي والاعتماد على المساعدات الأجنبية، والارتهان إلى القوى المعادية لمصالح الشعوب وعزتها، ولاسيما تلك القوى المساندة للكيان الصهيوني، وضعف النظام التعليمي والتربوي، وسيادة النظرة الضيقة والتطرف، وعدم حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية المستعصية .
إن استمرار حكم الميليشيات غير الرسمية والرسمية، سيسهم في استمرار الفوضى، وتأخير التنمية، وانتقال المجتمعات إلى مرحلة البناء والتطور وترسيخ المفاهيم، ولهذا، فإنه من الضروري أن توجد سلطة ما، تكون عادلة، وقانونية، تعمل من أجل تحقيق التناغم الاجتماعي والديني والمذهبي، فالوطن العربي لا يمكن أن تحكمه فئة واحدة أو مذهب واحد أو اتجاه واحد، ومبدأ التناغم والمشاركة ضروري لتحقيق الاستقرار، والتفاف الشعب حول ممثليه، في إطار سياسي لا يعترف إلا بحرية الاختيار، في إطار سيادة الدولة والقانون .