بعض المثقفين العرب، ومن شدة بلاغته وقوته الذاتية على الإقناع وسوق الدلائل والأسانيد والبراهين كما يقولون، لا تملك من فرط إعجابك به إلا أن تشتري خرزة زرقاء وتعلقها في رقبته كي لا يصيبه الشر والحسد . . تميمة من أجل التاريخ أيضاً، ومن أجل البقاء الكلي في الثقافة التي تشبه الأصبع، يختفي وراءها حصان بأكمله أو حتى فيل .
نموذج هذا المثقف العربي المدافع بشراسة عن الثوابت اللاثابتة ظهر في موجة ما كان يسمى التطبيع مع إسرائيل، وبالمناسبة عندما كان يقال لهؤلاء الكيان الصهيوني بدلاً عن كلمة إسرائيل كانوا يغضبون، ولولا القليل القليل من الحياء، لكان كل من يرفض التطبيع مع الكيان الصهيوني عنصرياً .
لم تدم موجة المطبعين طويلاً، فسرعان ما ارتطمت بالحقيقة الثقافية والاجتماعية والسياسية في البلدان التي كانت تركض وراء السراب، فانكفأ هؤلاء على ذواتهم أو الأصح أنهم تمثلوا صورة الحلزون أو السلحفاة . . درع جامد من فوق وجسد هش وسفيه من الداخل، ومع ذلك لم ينل منهم اليأس، فقد ظلوا يقاتلون حتى الرمق الأخير، وكثرت في أعناقهم الخرزات الزرق .
الدفاع عن الشيطان، يبدو أنه مثل التاريخ، يكرر نفسه، فمن كان مع التطبيع وتبين له أن دفاعه لا يستند إلى قانون أخلاقي وثقافة أخلاقية راح في ما بعد شحوب زمن التطبيع يطبع نسخة جديدة من دفاعاته تلك، ولكن هذه المرة ليس دفاعاً عن ثقافة التطبيع، بل دفاعاً عن ثقافة عدم التغيير .
روائيون عرب وشعراء وعاملون في مجال المسرح والدراما وحتى في الغناء والرقص على الحبلين، بل أكثر من ذلك ثمة من يطل بكامل جسده الأكاديمي من بعض المنابر ويتحدثون بطلاقة وطاقة لغوية تثير الإعجاب والصمت والتأمل .
خرز أزرق كثير من أجل هذه البلاغة السياسية اليومية القاسية والجامدة مثل ظهر السلحفاة الذي لا يحدودب أبداً لأنها تتغذى ببطء على الدم والدموع .