دينامية صينية شرق أوسطية

02:00 صباحا
قراءة 3 دقائق
د. ناصر زيدان

جولة الرئيس الصيني شي جين بينغ لبعض دول الشرق الأوسط، كانت محط اهتمام واسع، فهي حملت مؤشرات على رغبة صينية بإعادة تفعيل دور بكين في الشرق الأوسط من جهة، ونقلت مِحفظة واسعة مليئة بالوعود الاستثمارية وعقود القروض المالية، كمدخل إلزامي لتحريك السياق العادي الذي تسير فيه العلاقات بين بلدان المنطقة والصين حالياً.
وتأتي جولة الرئيس الصيني في لحظة سياسية حساسة تمرُ بها منطقة الشرق الأوسط، وفي ظل أجواء غير مُريحة يعيشها العملاق الآسيوي. فالمنطقة العربية تشهد اضطرابات سياسية وأمنية في عدد من البلدان، لاسيما في سوريا واليمن والعراق وليبيا، كما أنها تعيش أجواء غير مُستقرة بعد تمادي التدخلات الإيرانية في شؤون البلدان العربية والتي وصلت إلى حد إحراق السفارة السعودية في طهران. كما أن الصين تعاني تراجع مستوى النمو الاقتصادي، وهي تواجه تنامي التدخلات الأمريكية المُتصاعدة في منطقة جنوب شرقي آسيا، وتحاول مُتعبة تقييد الاندفاعة النووية الكورية الشمالية لكي لا تجرُ العالم إلى مواجهات تُحرِج الصين أكثر من غيرها.
لاقى الرئيس شي جين بينغ ترحيباً حاراً في الرياض، وقد دشن مع الملك سلمان بن عبد العزيز مصفاة النفط العملاقة التي أُنشئت غرب المملكة العربية السعودية على البحر الأحمر بتمويل سعودي - صيني مشترك، وقد امتلكت شركة أرامكو السعودية 62,5% من أسهمها، والحصة الباقية من نصيب شركة ساينبوك الصينية. كما وقّع الزعيمان مجموعة من العقود الاستثمارية الأُخرى في قطاعات النقل والخدمات والصناعة. ووقَعت الزيارة الصينية في مكانها المناسب في سياق تطور التجاذبات الدولية في المنطقة، على اعتبار أن الحضور الصيني يُضفي بعض التوازن على مواقف الدول الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن، لأن بكين تُمثل شيئاً من الاعتدال الدولي المرغوب فيه.
أما في القاهرة التي وصلها الرئيس الصيني في 21/1/2016، فقد كانت حقيبة شي جين بينغ مليئة بالملفات ومسودات العقود. والتوافق السياسي حول بعض القضايا الدولية، وموضع الحرص المشترك على الاستقرار في إفريقيا، لم يُخفف من الوهج الاقتصادي للمباحثات المصرية - الصينية، ذلك أن قيمة العقود التي وقّع عليها الرئيسان عبد الفتاح السيسي وشي جين بينغ بلغت 15 بليون دولار بين قروض واستثمارات، وشملت مجالات مُتعددة، أهمها: إجراء توسيعات على قناة السويس، وإنشاء مشاريع صناعية مختلفة، وتطوير قطاع الكهرباء في مصر، إضافة إلى اتفاقيات في مجال المواصلات والبُنى التحتية والتعاون العسكري.
ومن القاهرة أعلن الرئيس الصيني، أن بلاده تنوي تقديم قروض واستثمارات إلى بلدان الشرق الأوسط بقيمة 55 بليون دولار. في وقتٍ يعاني الاقتصاد الصيني بعض الانكماش، والمنطقة تشهد اضطرابات سياسية غير معروفة النتائج.
زيارة الرئيس الصيني الشرق أوسطية شملت إيران، والبلدان يرتبطان بعلاقات تجارية قوية والتبادل بينهما يتجاوز 50 بليون دولار سنوياً. وبكين التي كانت شريكاً في الاتفاق النووي الذي وقعته طهران مع الدول الخمس إضافة إلى ألمانيا، لا يناسبها التوتر الذي تعيشه المنطقة.

الاعتدال الذي تمارسه الصين في سياستها الشرق أوسطية يقع محل ترحيب الدول العربية، ولا يوجد في ملف العلاقات العربية - الصينية ما يمكن أن يحول دون تطوير هذه العلاقات. والرئيس شي جين بينغ أكد أمام مجلس المندوبين في جامعة الدول العربية في القاهرة على نية بلاده تطوير الصداقة مع الدول العربية، وأنه لا يوجد في سياق السياسة الخارجية لبلاده ما يمكن أن يُعيق تنامي الصداقة مع الدول العربية. فالصين تعتمد سياسة عدم التدخُل في الشؤون الداخلية للدول، وتُدين الإرهاب بكل أشكاله، وتدافع بقوة عن حق تقرير المصير للشعوب، خصوصاً الشعب الفلسطيني، وهي ساندت نضاله عبر السنوات الطويلة الماضية، وما زالت تُسانده في المحافل الدولية، وتُدين ما يتعرض له من اضطهاد.
مما لا شك فيه، أن الاستدارة الصينية نحو الشرق الأوسط بعد إغفال نسبي لهذه المنطقة، تقِفُ خلفها حسابات جيواقتصادية، وجيوسياسية في آن. فتدني أسعار النفط سيؤخر الاندفاعة الصينية نحو الاستثمارات في قطاع النفط والغاز في بعض الدول الإفريقية البعيدة. كما أن الهجوم الدبلوماسي الأمريكي نحو شرق آسيا يطال المصالح الصينية، ولا بد لبكين من الرد عليه على مستوى تطوير دينامية دبلوماسيتها الخارجية، لاسيما في الشرق الأوسط. وتباطؤ نمو الاقتصاد الصيني يحتاج إلى فتح آفاق جديدة وأسواق أوسع أمام المُنتجات الصينية.
وما يؤكد على النوايا الصينية بتعزيز العلاقات مع المنطقة العربية، المؤتمر الذي نظمته مجموعة من رجال الأعمال الصينيين - الذين يتمتع بعضهم بمكانة رسمية - مع رجال أعمال لبنانيين في مدينة جبيل اللبنانية في 20/1/2016، وخلُصَ إلى الاتفاق على توصية تدعو إلى إنشاء مركز للمناقصات الصينية في بيروت، تشمل صلاحياته توقيع العقود التجارية والاستثمارية مع الشركات العربية كافة، ويكون وسيطاً يتمتع بثقة الطرفين، ويُسهل مهمة رجال الأعمال.

عن الكاتب

دكتوراه في العلوم السياسية والقانون الدولي العام.. أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية.. له 10 مؤلفات وعشرات الأبحاث والمقالات والدراسات في الشؤون الدولية..

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"