ضمور القدرات العسكرية الأوروبية

05:02 صباحا
قراءة 4 دقائق

بصعود الولايات المتحدة الأمريكية إلى صدارة المشهد في السياسة الدولية، لما تمتلكه من قدرات عسكرية واقتصادية، فقد أسهمت هاتان القوتان في ترسيخ التبعية العسكرية والسياسية للولايات المتحدة، خاصة في المعسكر الغربي الذي يمثله حلف (الناتو)، وفي العديد من دول العالم الثالث، رغم ما شهدته أروقة السياسة الدولية في الآونة الأخيرة من محاولات للخروج من هيمنة بيت الطاعة الأمريكي . وتلجأ الولايات المتحدة إلى فرض هيمنتها العسكرية بسبب امتلاكها ترسانة هائلة ومتنوعة، وتتجسد هذه المحاولات بشكل واضح في المرحلة الراهنة من خلال ما تقوم به من عمليات ومناورات وهجمات، باستخدام طائرات من دون طيار مزودة بصواريخ لضرب المراكز الحساسة والدقيقة في هجماتها في باكستان وأفغانستان، وكذلك الصواريخ والقنابل والذخائر التي كانت تنطلق من حاملة الطائرات، ومن ضمنها صواريخ توماهوك كروز التي لديها القدرة على الطيران الخفي، ومهاجمة أهداف عالية القيمة وذات دفاعات مكثفة، والقنابل العنقودية التي تدمر كل ما تحل عليه من معدات وبشر، وقنابل من طراز سي بي يو 103، وأي . جي . إم 154، وجميعها تُعرف بأنها قاتلة ويستمر تأثيرها لعقود . وكذلك يشير الخبراء العسكريون إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية استخدمت أيضاً شكلاً جديداً من الأسلحة وأدوات الردع، وفق الطبيعة المتغيرة والمتجددة للقوة العسكرية الصناعية .

إن تراجع أوروبا في تطوير الأسلحة سيؤدي إلى ضمور قوتها العسكرية، بل إلى نهاية كل أيديولوجيات أوروبا من حيث إن القوة ينبغي أن ترتكز على أساس اقتصادي وعسكري متين ومتوازن . وكان الأمين العام لحلف (الناتو) أندرس فوغ راسموسن قد حذر خلال قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، من التخفيضات المبالغ فيها في الإنفاق الدفاعي الأوروبي، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة قد تبحث عن حلفاء آخرين إذا لم تلقِ أوروبا بثقلها في القضايا الأمنية .

ووفقاً للتقرير السنوي للعام الماضي الصادر عن معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام، بلغ الإنفاق العسكري في مجموع دول الاتحاد الأوروبي 288 مليار دولار في العام ،2010 وبلغ هذا الإنفاق 298 مليار دولار في دول الناتو الأوروبية . ويساوي هذا فقط 30% من الإنفاق العسكري الأمريكي البالغ 698 مليار دولار . وخلال العقد الماضي، تراجع إجمالي الإنفاق العسكري الأوروبي بنسبة 9 .1%، وتراجع الإنفاق على المشتريات الدفاعية بنسبة 10%، وعلى البحث العلمي الدفاعي بنسبة 14% . بينما زاد حجم التداول بنسبة 24 % في سوق الأسلحة، حيث تصدرت الولايات المتحدة المركز الأول في بيع الأسلحة، على الرغم من أن الاتحاد الأوروبي وحلف (الناتو) قد اتبعا مسارات مختلفة، ووضعا سياسة أمنية دفاعية مشتركة منذ توقيع معاهدة دونكيرك في العام 1947 بين المملكة المتحدة وفرنسا، لتخلق تحالفاً أوروبياً، وعقدا اتفاقاً للمساعدة المتبادلة بعد الحرب العالمية الثانية، وتحول هذا الاتفاق في 1948 إلى المادة 4 من معاهدة بروكسل التي شملت بلجيكا وهولندا ولكسمبورغ، ومن ثم أسست منظمة الدفاع الأوروبية في العام ،1948 لتحقيق أهداف المعاهدة، وفي العام 1949 انضمت الولايات المتحدة وكندا إلى التحالف، والاتفاقات الدفاعية المتبادلة من خلال حلف شمال الأطلسي( الناتو) .

وفي العام 1950 تم طرح تشكيل تكتل للدفاع الأوروبي مماثل في طبيعته لتكتل الفحم والصلب الأوروبي، لكنه فشل في الحصول على تصديق البرلمان الفرنسي، وتحول من منظمة للدفاع خلال الحرب الكورية 1950-،1953 ليصبح منظمة حلف شمال الأطلسي . وأدى الفشل في تأسيس التكتل إلى استبداله، بإنشاء اتحاد أوروبا الغربية وضم ألمانيا الغربية وإيطاليا .

وبدأت سياسة الأمن والدفاع الأوروبية أول مهامها في منطقة البلقان في عالم ما بعد الحرب الباردة، حين اندلعت الحروب اليوغوسلافية في العام ،1990 وشاركت في أكبر عملية عسكرية تشهدها القارة الأوروبية منذ الحرب العالمية الثانية، وعقب إعلان النوايا لعام 1999 بموجب السياسة الأمنية الدفاعية الأوروبية، تم نشر مجموعة من القوات الأوروبية في مارس/ آذار 2003 في جمهورية مقدونيا، وواصل الاتحاد الأوروبي نشر قواته، لحفظ السلام في البوسنة والهرسك كجزء من بعثة يوفور ألثيا . ومازالت القوات منتشرة في منطقة البلقان، ومن أبرز مهامها مهمة دعم حكم القانون في كوسوفو، وتعد المهمة الأكبر التي يتولاها الاتحاد الأوروبي حتى الآن . وفي مايو/ أيار ،2003 نشر الاتحاد الأوروبي في جمهورية الكونغو قواته المعروفة باسم يوفور آر دي كونغو، التي دعمت بعثة الأمم المتحدة هناك خلال الانتخابات في البلاد . وللاتحاد الأوروبي قوات عسكرية في أماكن عدة في جورجيا وإندونيسيا والسودان وفلسطين وأوكرانيا ومولدافيا والعراق، وتنتشر قواته المعروفة بيوفور تشاد في مناطق شرقي تشاد وشمال شرقي جمهورية إفريقيا الوسطى . وخلال العقد الماضي نفذت قوات الاتحاد الأوروبي أكثر من عشرين عملية في ثلاث قارات، من أجل وقف العنف واستعادة السلام وإعادة الإعمار بعد الحروب .

وعلى الرغم من هذا الوجود العسكري الأوروبي في العديد من الدول، فإن العالم قد يشهد تقلصاً في دور أوروبا الدفاعي، وتراجعاً في مكانتها الجيوسياسية، وثقلها في الساحة الدولية . وذلك بسبب خفضها المستمر للإنفاق الدفاعي الذي لن يجعل بمقدورها المساهمة بفعالية في مهام خارج حدود المنطقة في المستقبل، وإن أرادت أوروبا إثبات وجودها في الميدان الجيوبوليتيكي الدولي، قد لا يكون أمامها من خيار إلا في البحث عن معادلة متوازنة لأمنها الإقليمي، وبناء قدرات يُمكنها النهوض بدور عالمي، يكمل سياسته الخارجية والعسكرية سواء لمواجهة الأزمات، أو لاستعادة السلام، وإعادة بناء مؤسسات القانون والنظام في أرجاء مختلفة من العالم .

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"