الكتاب المفصلي للدكتور طه حسين: مستقبل الثقافة في مصر، كتاب لا يتقادم . إنه كتاب عصري متجدد، فالحديث فيه لا يدور عن أفكار قابلة للتقادم السريع، وإنما يدور عن رؤية مستقبلية ثرية متعددة الزوايا، ثم إن حال الثقافة العربية، بعد مرور عقود على صدور هذا الكتاب، ليس أفضل مما كان عليه يوم صاغ طه حسين أطروحاته عن مستقبل هذه الثقافة الذي وإن اتخذ من مصر منطلقاً وميدان بحث، فإن الكثير من مرتكزاته واستنتاجاته تصح بمقادير مختلفة على البلدان العربية الأخرى .
وتصبح العودة إلى هذا الكتاب، بالنتيجة، أمراً مطلوباً دائماً، ليس لأن مؤلفات طه حسين الأخرى خاصة: ذكرى أبي العلاء والأيام وحديث الأربعاء وعلى هامش السيرة وفي الشعر الجاهلي بأقل أهمية . ولكن في مستقبل الثقافة في مصر تتركز خلاصة الأفق المعرفي الموسوعي لطه حسين، خلاصة تجربته الثرية في مجالات عدة، رغم أنه ركز في الكتاب على إشاعة التربية والتعليم وتعزيز الثقافة وإشاعتها بوصفها مهامَّ ملحّة، عاجلة، وتكتسب طابع الديمومة والاستمرارية، إذا أريد لحال المجتمع أن ينهض . وجاء الكتاب بهذا المعنى ثمرة ناضجة لعلم ذهني وتنقيب بحثي متصل وفقاً لمخطط مسبق يستند إلى تجربة عمر كامل، كما يعبر الدكتور علي سعد الذي أعد منذ سنوات دراسة قيمة عن الكتاب .
في الكتاب نعثر على أبرز ما يميز طه حسين إنساناً وكاتباً وأستاذاً جامعياً وتربوياً، وباحثاً، وخاصة تلك الشجاعة في إبداء الرأي، وهي شجاعة لا تعرف المهادنة أو المجاملة، وكذلك الروح النقدية التي طبعت مجمل آرائه ومجمل نشاطه الثقافي والفكري . إن الأمرين، أي: الشجاعة والروح النقدية، يمكن دمجهما في مركب واحد ندعوه الشجاعة الواعية، لأنها شجاعة مبنية على رؤية متبصرة ونظرة ثاقبة تبين الخلل في الوضع .
ورغم أنه يؤخذ على المؤلف مبالغته في إبراز الانتماء المتوسطي لمصر الذي يجعلها مفتوحة على أوروبا أكثر من انفتاحها على الشرق، فإنه عاد في عام 1967 ليعبر عن رغبته في تدقيق بعض أحكام الكتاب، لو قيض له إعادة تأليفه، ليبرز فيه الوجه والانتماء العربيين لمصر، وهي ملاحظة لماحة تدل على مقدرة المؤلف على تجديد أحكامه وتطويرها .
عقود مرت على الكتاب، وعقود على رحيل العميد، لكن حاجتنا إلى فكره، باتت أكثر إلحاحاً عما كانت عليه حين رحل .