لم تعرف حكومتا لبنان وسوريا العلاقات الدبلوماسية منذ الاستقلال سنة 1943. فقد شكّل البلدان دائما حالة وطنية واحدة تتجاور الحدود والسدود وقواعد البروتوكول.
في ظل الانتداب الفرنسي كانت العملة واحدة ومصرف الإصدار واحداً، والجمارك واحدة، وخدمات البريد والتلفون والتلغراف واحدة، والمعارضة السياسية والشعبية لسلطات الانتداب مشتركة بل واحدة.
بعد الاستقلال لم يجد البلدان ضرورة لإقامة علاقات دبلوماسية لسببين : الأول، لأن أيا من البلدين لم يكن في نظر الآخر بلداً خارجياً. كلاهما كان يمارس مع الآخر علاقات داخلية، بمعنى أهلية، لا تستلزم قواعد بروتوكولية. الثاني، لأن بيروت لا تبعد عن دمشق سوى ساعتين (آنذاك) بالسيارة ما يجعل التواصل بين الحكومتين سهلاً وشخصياً أو شخصانياً من دون حواجز.
بعد قيام إسرائيل وتكريس القطيعة الاقتصادية بين البلدين، تغيّرت الظروف والأحوال. فريق من اللبنانيين، مسؤولين ومواطنين، كان متشرباً ثقافة الغرب ومستعداً دائما للتماهي معه ثقافياً واجتماعياً وسياسياً. الغرب، متمثلاً بفرنسا وبريطانيا وأمريكا، كان رائداً وأساسياً في إقامة إسرائيل وفي دعمها والانحياز لها بلا هوادة. الفريق اللبناني الموالي للغرب وضع ذلك في حسبانه وقرر مراعاة الغرب في كل شيء، بما في ذلك موقفه من الشعوب والحكومات التي ناهضت سياسة الغرب ومعاهداته وأحلافه ولاسيما ما يتعلق منها بدعم الكيان الصهيوني.
في هذا المناخ من التباعد الثقافي والارتياب السياسي نشأت مسألة التبادل الدبلوماسي بين البلدين. فالفريق الموالي للغرب نظر إليها من زاوية متطلبات السيادة ومستلزمات الندية فيما نظر إليها الفريق المناهض للغرب والمقاوم لإسرائيل بأنها من قبيل لزوم ما لا يلزم وانها تنطوي على موقف عدائي من سوريا، الداعم الدائم لقضايا العرب التحررية في وجه الغرب ومشاريع أحلافه في المنطقة.
بعد دخول القوات السورية الى لبنان بقرار من قمة الرياض العربية سنة 1976 وبموافقة ضمنية من دول الغرب الأطلسي عموماً والولايات المتحدة خصوصاً، اتخذت العلاقات بين البلدين منحى آخر. فقد أضحت سوريا، في الواقع، سلطة وصاية على لبنان المنقسم على نفسه. فالسلطة فيه سلطتان أو أكثر، والجيش جيشان أو أكثر، والحروب بين الطوائف وميليشياتها أو حتى داخل الطوائف نفسها كانت على أشدها.
ساعدت سوريا لبنان، خاصة بعد جلاء الاحتلال الإسرائيلي سنة ،1982 على استعادة وحدته الدستورية والإدارية لكنها أبقته، عمليا، تحت وصايتها السياسية والأمنية. في هذه الفترة التي امتدت نحو 30 سنة، كانت العلاقات بين البلدين توصف، بجدية حيناً وبتهكم حينا آخر، بأنها علاقات أخوية مميزة. وعقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري حرصت دول الغرب الأطلسي، لاسيما أمريكا وفرنسا، على إخراج سوريا من لبنان. بذلك تحقق، في نظر الفريق اللبناني الموالي للغرب، استقلال لبنان فعليا بما هو استقلال عن سوريا بالدرجة الأولى.
لم يمانع الفريق اللبناني المناهض للغرب وإسرائيل في خروج سوريا من لبنان وإن كان امتعض كثيراً لاستعانة الفريق الآخر بقوى خارجية ليس لإخراج السوريين فحسب بل لتمكين هذا الفريق أيضاً من وضع يده على البلد والسير به في طريقٍ لا تؤدي إلاّ الى خدمة مصالح الغرب الاستعمارية والى مهادنة إسرائيل المتربصة بحركة المقاومة الناشطة ضدها.
عاد الفريق الموالي للغرب الى طرح مسألة التبادل الدبلوماسي مع سوريا بدعوى السيادة والندية. عارضه الفريق الآخر بحجة دامغة : إن إقرار هذه الخطوة في ظرفٍ عصيب يتميز بالاحتلال الأمريكي للعراق والتطويق الأطلسي لسوريا واتهامها باغتيال الحريري لإضعافها وحملها على التسليم بتسوية مذلة مع إسرائيل هو تكريس لهزيمة محلية لم تلحق أصلاً بالفريق الوطني أمام الفريق الموالي للغرب.
في وجه هجمة الفريق الموالي للغرب اعتمد الفريق الوطني نهجاً جديداً مغايراً : الموافقة على مبدأ التبادل الدبلوماسي مع سوريا وتأخير وضعه موضع التنفيذ الى حين تكوين ميزان قوى متكافئ مع الفريق الآخر من جهة، والعمل على تعزيز فعالية الفريق الوطني بدعم المقاومة لترفيع المواجهة مع إسرائيل ولملء الفراغ الناجم عن انسحاب سوريا من لبنان، من جهة أخرى.
التكافؤ في موازين القوى بين الفريق الوطني والفريق الموالي للغرب حدث غداة نجاح المقاومة في دحر إسرائيل في حربها الثانية على لبنان صيف سنة 2006. هذا الانتصار الميداني ترجم نفسه سياسياً لمصلحة المعارضة بانعقاد مؤتمر الدوحة أواخر الربيع الماضي وخلوصه إلى قرارات حاسمة كانت المعارضة تطالب بإقرارها وتنفيذها منذ صيف 2007.
في هذا الإطار تمّ انتخاب العماد ميشال سليمان، كشخصية وطنية توافقية، رئيساً للجمهورية. وفي ضوء هذا التطور الإيجابي قام الرئيس سليمان بزيارة دمشق مكرساً بذلك مصالحةً رسمية بين البلدين.
ما مستقبل العلاقات بين لبنان وسوريا بعد تبادل السفراء؟
لن يكون لتبادل السفراء أثر حاسم في طبيعة علاقة سوريا مع الفريق الموالي للغرب. ذلك أن دمشق ستحرص، غالبا، على تعزيز صلاتها ودعمها لحلفائها اللبنانيين وترفيعها إلى مرتبة العلاقات الأخوية المميزة. كما ستحرص، غالباً، على إقامة علاقات بروتوكولية مع أعدائها في لبنان، تسمح لها بالتواصل معهم من دون أن تؤدي إلى خدمة مواقفهم ومصالحهم.
كيف سيتصرف الفريق الآخر حيال وجود سفارة لسوريا في بيروت؟
بعضه سينقل البارودة (البندقية) من كتف إلى كتف، كما يتندر اللبنانيون، فيكثر من تواجده في المناسبات الرسمية التي تحييها السفارة السورية في بيروت، وبعضه الآخر سيندم كثيراً على مطالبته بتبادل التمثيل الدبلوماسي مع دمشق لدرجة قد تحمله، ذات يوم، على المطالبة في العلن بالعودة إلى العلاقات الأخوية المميزة بين البلدين كما كان الأمر في الماضي، أي بلا سفارات ولا من يحزنون. أما في السر فسيقول إن الاستخبارات السورية عززت وجودها من خلال السفارة في بيروت والقنصليات العامة (المرتقبة) في طرابلس وصيدا وزحلة فأصبحت لها، والحالة هذه، شرعية كاملة في ممارسة أعمالها وعملياتها.
الله يا لبنان ما أجملك!