عنصرية وترصد

05:09 صباحا
قراءة 3 دقائق
مفتاح شعيب

حينما ينفذ الاحتلال الصهيوني جريمة ما بحق الشعب الفلسطيني لا يعدم الذريعة لتبريرها . الفتى محمد أبو غنام (16 عاماً) استشهد رمياً بالرصاص قرب مدينة القدس المحتلة، وزعم الاحتلال أن الشهيد الصغير حاول طعن أحد الجنود بسكين عند حاجز قرية "الزعيم" .
إعدام الفتى أبو غنام بدم بارد لم يعد نموذجاً صارخاً للاستهداف العمد للشبان الفلسطينيين، وإنما يؤشر إلى تدشين أسلوب مبتكر في ضرب إرادة التصدي للمشروع الصهيوني، ما يعني أن جيش الاحتلال بإمكانه أن يترصد ويصفي من يريد في غسق الليل لمجرد الشبهة في أن أحدهم قد يحمل سكيناً في الشارع وبالقرب من دورية للاحتلال، مجهزة بأحدث أنواع الأسلحة الأوتوماتيكية الأكثر فتكاً، وبين بندقية "تافور" المتطورة لدى الجندي "الإسرائيلي" وسكين المطبخ الذي قد يحمله فلسطيني، هناك بون شاسع يسمح بقياس درجة العنجهية الصهيونية في ضرب من يقاوم الاحتلال وسياسياته .
وبصرف النظر عن هذه الجريمة الأليمة، فإن الكيان الصهيوني بمختلف ألوانه يمر بحالة استنفار غير مسبوقة لإيذاء الفلسطينيين واستكمال خطط تدمير مقومات وجودهم باستخدام أساليب الترويع واقتراف الجرائم الأشد وقعاً في النفوس . وفي هذا السياق يأتي إعدام الفتى محمد أبوغنام الذي يصنف بدرجة الإجرام ذاته إلى جانب فاجعة إعدام الفتى محمد أبوخضير (16 عاماً)، الذي عذب وأحرق حتى الموت الصيف الماضي، وكلا الجريمتين تمت في إطار من التصفية الحاقدة، والقائمة طويلة، وستطول حتماً طالما الذرائع متوافرة، والفلسطينيون بمختلف حالاتهم أهداف قابلة للقتل .
في الانتفاضة الأولى عام 1987 سعت قيادة الاحتلال إلى قمع أطفال الحجارة بتكسير أياديهم، وقد اعتمد ذلك الأسلوب الهمجي سياسة في القمع برع فيها إسحاق رابين عندما كان وزيراً للحرب قبل أن يتحول "بطل سلام" بعد اتفاق أوسلو . ولكن تلك السياسة الهمجية في الثمانينات لم تكسر إرادة الشعب الفلسطيني، بل تصاعدت الانتفاضة وأخذت صيتاً دولياً واكتسبت تعاطفاً قل نظيره، فيما لم يجن قادة الاحتلال غير الخزي واللعنات . ومازالت "إسرائيل" لم تتغير ولم ترتدع حتى باتت تحترف سياسة إرهاب الدولة المنظم، وتنقل شهادات أصنافاً من الإذلال والعنصرية التي يتعرض لها المدنيون الفلسطينيون على الحواجز والبوابات في الضفة الغربية والقدس المحتلة، وأيضاً على حدود قطاع غزة المحاصر والمدمر .
بعد جريمة إعدام أبو غنام اشتعلت قرية الطور القريبة من القدس غضباً وتصدى شبان لقوات الاحتلال وآلياته، بينما توالت بيانات التنديد من السلطة والفصائل، وكان لافتاً تعهد الخارجية الفلسطينية ملف جريمة الاغتيال إلى محكمة الجنايات الدولية التي أصبحت فلسطين أحد أعضائها . ومسارعة السلطة بنقل الملف إلى لاهاي هو أقل شيء يمكن أن تفعله في الوقت الحالي . وملف جريمة أبوغنام يجب أن يضاف إلى ملفات جرائم كثيرة تلاحق قادة الاحتلال وسفاحيه وتتطلب العدالة والإنصاف .
قبل سنوات كان بمقدور قادة الصهاينة أن يفلتوا من المحاكمة والعقاب تالياً، أما حالياً بالإمكان ملاحقتهم، وإن لم تتم محاكمتهم كما ينبغي، ستسهم الفورة الإعلامية وشبكات التواصل أن تفضح الجرائم "الإسرائيلية" بمختلف اللغات، ويكفي الفلسطينيين إنجازاً معنوياً اكتساب تعاطف الرأي العام العالمي الذي بإمكانه أن يقلب المعادلات السياسية في نهاية المطاف، وتتم محاكمة القتلة وإنصاف الأبرياء .

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"