يشعر المرء أمام مشهد استقبال الرئيس السوري للعماد ميشال عون بأن العرب يخطون، بعضهم على الأقل، نحو العقلانية السياسية في السلوك والمواقف. والسياسة بطبيعتها عقلانية، تقوم على مقتضى المصالح الموضوعية والحساب الدقيق للأرباح والخسارات، لا على مقتضى الأهواء الشخصية والأحقاد والضغائن ونداءات الثأر والنزعة الكيدية. وهي حين تكون على هذا المقتضى تنحط ولا تفتح أفقاً أمام التقدم ومراكمة المكتسبات وتعظيم موارد القوة. وتلك حال السياسة في العديد من البلاد العربية، المصابة بداء اللاعقلانية في السياسة العربية.

مشهد الاستقبال أتى شذوذاً عن هذه القاعدة وانتصاراً لمعنى السياسة. فالفريقان تقاتلا قتالاً عنيفاً في يوم من الأيام، واصطدمت رؤيتاهما للأزمة اللبنانية اصطداماً لا حل له غير الإلغاء: إلغاء وجود الآخر، ولما كان الصدام بين طرفين غير متكافئين في القوة، كان على الجنرال ميشال عون أن يخسر المعركة ويغادر قصر بعبدا ثم لبنان إلى فرنسا، من دون أن تشيعه سوريا بشماتة، لكنهما اليوم يلتقيان، ويطويان صفحة ماض، وعلى جراحه يرتفعان بعد أن تبينت لهما وجوه المصلحة في طي تلك الصفحة وفتح أفق جديد.

لم يكن الرئيس بشار الأسد مسؤولاً عما حصل من مواجهات دامية بين الجيش السوري في لبنان وألوية الجيش اللبناني التي كانت بإمرة العماد عون بعد تعيينه رئيساً للحكومة قبيل انتهاء ولاية أمين الجميل، ولا كان مسؤولاً عن الهجوم الأخير على بعبدا لحسم المعركة ضد الجنرال (أكتوبر 1990) فهو، حينها، لم يكن على رأس الدولة في سوريا ولا مسؤولاً في السلطة. وفي وسع دمشق أن تقول اليوم، بغير قليل من الاطمئنان، ودونما حاجة إلى إبراء الذمة، إن كثيراً مما حصل بين حرب التحرير ونفي العماد عون كان يمكن تفادي حدوثه لو أن الذين كانوا يمسكون بالملف اللبناني سياسياً (عبدالحليم خدام) وأمنياً (غازي كنعان)، تصرفوا بطريقة أخرى تحفظ لسوريا سياستها المتوازنة في لبنان وأعرضوا عن الانحياز لفريق ضد آخر. بل إن في وسعها أن تقيم الدليل على ذلك من خلال التغييرات التي شهدتها السياسة السورية في لبنان بعد سحب الملف من الطاقم السياسي والأمني الذي احتكره طويلاً، وليست مراجعة الموقف من العماد ميشال عون إلا البعض القليل مما يدل على ذلك.

في المقابل، يملك الجنرال عون أن يبرر خلافه مع سوريا بأنه خلاف طالب حق مشروع اعترفت به دمشق هو استقلال لبنان وسيادته، وأنه كان إلى الخصومة أقرب منه إلى العداء، على الرغم مما حصل من صدام عسكري. وآي ذلك أنه الوحيد من القيادات اللبنانية (المارونية خاصة) الذي اصطدم بسوريا ولم يلجأ إلى إسرائيل أو يطلب مساعدة منها، وأن لجوءه إلى العراق لا ينبغي أن يقرأ بوصفه إمعاناً في إغاظة سوريا، بل من حيث هو تعبير عن خياره العربي، وأنه ما إن عاد إلى لبنان وسحبت سوريا ما تبقى من قواتها حتى أعلن نهاية خلافه مع دمشق، وبات أكبر المطالبين ببناء علاقات لبنانية- سورية متينة.

قضت العقلانية في السياسة بمراجعة الماضي بين الطرفين والتأسيس لعلاقة جديدة. اليوم تعرف سوريا جيداً أن ميشال عون صاحب مبدأ وستعامله قطعاً على هذا المقتضى، وهي إذ رحبت به كخصم شريف ستنسى أنه كان خصماً وستتذكر فقط أنه شريف. والجنرال عون يعرف اليوم أن سوريا عمق لبنان الاستراتيجي وظهيره الذي يغطي أمنه، وسينسى أن جيشها كان في لبنان، لكنه لن ينسى أن التزامها تجاه أمن لبنان كان أقوى بعد خروج جيشها منه، كما دل على ذلك دعمها للمقاومة في حرب صيف 2006 واستمرار دعمها للجيش اللبناني بعد ذلك.

التقى الرئيس والجنرال في لحظة قوة مشتركة. خرج الرئيس من امتحان الضغط والعزل الأمريكيين ظافراً لم يقدم تنازلاً، شبهة تنازل، لقوى الضغط بقي على مواقفه: ضد احتلال العراق، مع المقاومة في لبنان وفلسطين، مع التمسك بثوابته الوطنية والقومية في الصراع العربي- الصهيوني. وخرج العماد قوياً في الانتخابات، منتصراً وشريكاً في نصر يوليو/تموز ،2006 صوتاً مسيحياً ووطنياً استثنائياً في قدرته التمثيلية. وكان الرجلان، إلى مواطن القوة التي ذكرنا، يتشابهان في قوة معنوية أخرى لا تقل قيمة: قوة التسامح والصفح. وهي إلى ماهيتها الأخلاقية قوة سياسية لا يملكها إلا الشجعان. وهؤلاء لا تكون الشجاعة عندهم بالوجدان الجريء فحسب، وإنما أيضاً- وأساساً- بالحصافة ورجاحة العقل.

سيكون ثمة الكثير مما سيحتاج فيه العماد لسوريا ومما ستحتاج فيه سوريا للعماد، بعد أن بات الطرفان- ومنذ حرب تموز 2006 على الأقل- في موقع واحد: موقع الشراكة في مواجهة المرحلة، الشراكة نفسها التي تحققت في لحظة منها، في مواجهة العدوان الصهيوني على لبنان. لقد زار آلاف السياسيين اللبنانيين- ومن مختلف التيارات والأجيال- دمشق على مدى ثلاثين عاماً ويزيد، لكنها الزيارة الوحيدة التي تحمل طعماً خاصاً وتؤذن بنتائج سياسية ذات فائدة مميزة في العلاقات السورية- اللبنانية.