كمال بالهادي

بعد أشهر من مفاوضات شاقة في السودان، تم التوصل إلى اتفاق نهائي بين الجيش والمعارضة؛ حول المرحلة الانتقالية. وعلى الرغم من التفاؤل السوداني بهذا الاتفاق «التاريخي»، فإن المخاوف من الارتداد إلى الوراء لا تزال قائمة؛ ذلك أنّ بناء السودان الجديد كما يطمح إليه الشعب، هو عملية ثورية تتطلب صبراً طويلاً.
لقد أدى عبد الفتاح البرهان، اليمين رئيساً للمجلس السيادي، وبذلك بدأت المرحلة الانتقالية؛ بعد أن أدى أعضاء المجلس بدورهم اليمين الدستورية أمام الرئيس البرهان، وتم تكليف الدكتور عبد الله الحمدوك، بتشكيل حكومة جديدة؛ بعد أدائه اليمين الدستورية. و يمكن القول: إن المرور إلى توزيع السلطات، بعد ذلك اليوم التاريخي الذي سمي «فرح السودان» والذي أتى في نفس الوقت الذي بدأت فيه محاكمة البشير، تبرز إشكاليات تجعل ذلك الفرح السوداني البهيج، محفوفاً بالمخاطر، وتفرض على من تحملوا المسؤولية أن يكونوا في مستوى تضحيات شعبهم. ومن مظاهر هذه الإشكاليات أو المخاوف، مسألة إنهاء النظام السابق، وتحييده عن التحكم في مستقبل السودانيين؛ إذ تقول الكاتبة الصحفية السودانية درة مختار: «الناس قلقون؛ لأن نظام البشير لا يزال موجوداً في أعلى رتب الجيش؛ لكنهم يتفائلون بنفس الوقت؛ لأن حقبة جديدة قد بزغت». فيما يرى المحلل السياسي السوداني محمد الأسباط أن «توقيع الإعلان السياسي والوثيقة الدستورية يعد نقطة مفصلية في تاريخ السودان الحديث»، ويضيف: «هذا الاتفاق طوى 30 عاماً من حكم الدكتاتورية بقيادة المخلوع عمر البشير وجماعة الإسلام السياسي في السودان، وفتح طريقاً واسعاً أمام تحول مدني ديمقراطي». وعلى الرغم من أن الأسباط يعد أن الاتفاق «بداية مرحلة تحول ديمقراطي حقيقي» في السودان، فإنه يعتقد أن هناك «الكثير من العقبات» التي تقف أمام هذا التحول. وأهم هذه العقبات، تتمثل في كيفية تعزيز السلام وحل الأزمات التي خلفها نظام البشير؛ وأولها الأزمة الاقتصادية وما ترتب عنها من بطالة وقلة ثقة المستثمرين الأجانب، إضافة إلى حرمان السودان من تلقي المساعدات في ظل وجود تركة ثقيلة من الديون الخارجية تبلغ عشرات مليارات الدولارات.
ويعتقد فيليب يان من فرع مؤسسة «فريدريش إيبرت» الألمانية في الخرطوم، أن «تأمين حياة كريمة للسودانيين ستكون المهمة الرئيسية على مدى السنوات الثلاث القادمة»، «انقطاع الكهرباء مستمر والبنزين بالكاد يكون موجوداً، كما أن الأسعار مرتفعة للغاية».
وقد تكون هذه العقبات الاقتصادية هي التي جعلت الحركة الاحتجاجية تقترح اسم عبدالله حمدوك، الخبير الاقتصادي السابق في الأمم المتحدة، ليتولى رئاسة الحكومة.
لقد عاش السودان منذ استقلاله عن بريطانيا سنة 1956 كالطائر الجريح؛ إذ توالت عليه الانقلابات، وأثقلت كاهله الصراعات الدينية والسياسية والقومية والقبلية والعرقية والجغرافية، وها هو اليوم ينفض غبار الأمس عن كاهله بجرعة أمل كبيرة، علّ أبناء هذا البلد الإفريقي الثالث بالمساحة، ينعمون هذه المرّة بالثروات التي حباهم الله إياها، بعيداً عن كل سطوة وظلم وجور، فيخرجون من حرب دارفور التي قضت على عشرات؛ بل مئات الآلاف من الضحايا من أبناء المجموعات العرقية المتناحرة، ومن الحرب مع جنوب السودان الذي استقلّ سنة 2011. ومن الصراعات الداخلية بين أحزاب عقائدية إسلامية ويسارية ووطنية.. ومن رؤساء مطلوبين أمام محكمة الجنايات الدولية.. حريٌّ بالسودان أن يدفن صورة الفقر والجوع التي رسمها حكّام طامعون وفاسدون، وأن يطلّ على حقيقة الوطن، الغنيّ بشعبه وبثرواته الطبيعية من زراعية وحيوانية وبترولية ليستقبل المستثمرين من كل مكان. السودان ليس فقيراً ولا جائعاً، السودان قادر على إشباع الوطن العربي بكامله لو قُيِّض لشعبه حكامٌ صالحون.
رئيس اللجنة العليا السودانية للاحتفالات بالاتفاق التاريخي والذي أطلق عليه«فرح السودان»، الفريق الركن محمد علي إبراهيم، وصف الاتفاق الخاص بالمرحلة الانتقالية بأنه إنجاز عظيم سيضع السودان في طريق الديمقراطية والخير والنماء والسلام والحرية. وقال: إن السودان سينفتح في علاقاته الخارجية، مشيراً إلى أن الحكومة الانتقالية ستعالج أمر وضع البلاد في قائمة الإرهاب الأمريكية. كما تعهد نائب رئيس المجلس العسكري السوداني، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، بالالتزام «بكل حرف تم الاتفاق عليه» في الوثيقتين الدستوريتين اللتين تم توقيعهما منذ أيام. ومن جانبه، قال رئيس الحكومة المكلّف عبدالله حمدوك، وهو الخبير الاقتصادي الدولي، لدى الأمم المتحدة ولدى الاتحاد الإفريقي، إن نهضة السودان الجديد تعتمد أساساً على النهوض بالاقتصاد المحلي، والعمل على جلب الاستثمارات الخارجية التي تقف على الأبواب منتظرة استقرار الوضع السياسي. كما قال الحمدوك: إن بلاده بحاجة لمساعدات أجنبية بقيمة ثمانية مليارات دولار، وكشف عن اتصالات مع الإدارة الأمريكية؛ من أجل رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
ويرى الكاتب حسن شبكشي، أن السوداني متى مُنح الفرصة سينتج ويبدع وينجح، وهذا موثّق في تجارب مبهرة حول العالم. غير أنّ ثقافة الخروج عن الدولة وتكوين ميليشيات مسلحة هي ثقافة تحتاج إلى وقت طويل حتى يتم اقتلاعها، وما وقع في محافظة ولاية البحر الأحمر، خير دليل على أن استيعاب قيم الديمقراطية، هو أمر يحتاج سنوات من التغيير ليس في رأس الحكم فقط؛ بل في القواعد الشعبية.

[email protected]