يلاحظ الدارسون للتاريخ السياسي والثقافي العربي أن دعوات اليوم حول حاجة المجتمعات العربية للإصلاحات ليست جديدة، وأن القرن التاسع عشر شهد موجة قوية شبيهة بتلك التي نشهدها الآن.
وإذا لم يكن قد نشأ حينها جدل كالذي اليوم حول: أيكون الإصلاح نابعاً من ظروف مجتمعاتنا الداخلية، أو مفروضاً من الخارج، حتى لو كان هذا الفرض عن طريق الدبابات والصواريخ، فإن جوهر الدعوة الإصلاحية يومذاك كما هي الآن متصل بالموقف من الآخر، ومن الآخر الغربي تحديداً.
فإثر الهزائم العسكرية التي منيت بها الإمبراطورية العثمانية على أيدي الدول الغربية المتفوقة في العتاد وفي التكنولوجيا وفي الإمساك بأسباب العلم والمعرفة، انبرى الإصلاحيون العرب والمسلمون لإثارة السؤال الكبير حول أسباب تقدم هذا الغرب وتخلف المسلمين، وكانوا حريصين على التمييز بين الإسلام وأهله، بالطريقة التي مهدت للاستنتاج المفصلي بأن العلةّ ليست في الإسلام وإنما في المسلمين الذين تأخروا مرتين: مرة عن الإسلام نفسه كما هو في روحه وجوهره، وعن اللحاق بمستلزمات العصر الذي يعيشونه.
أمر رئيس تتشابه فيه دعوتا الإصلاح السابقة والراهنة، وهو أن الحاجة إلى الإصلاح حاجة داخلية في كل بلد عربي، وحاجة قومية للعالم العربي مجتمعاً، نابعة من ضرورات النهوض بمجتمعاتنا لمواجهة استحقاقات التقدم والتنمية والمساواة والتمكن من أسباب المعرفة.
ولكن الآخر الغربي لم يكن محايداً إزاء هذه الحاجات الإصلاحية، أمس كما اليوم. في الحالين كان هذا الآخر معنياً بأمر هذا الإصلاح، وربما ضاغطاً في سبيله، وفي الحالين، أمس واليوم، كان الأمر متصلاً بمصالح هذا الآخر واحتياجاته.
فإذا كان المصلحون العرب يريدون الإصلاح للنهوض بأوطانهم ومواجهة التهديدات الاستعمارية في القرن التاسع عشر عبر إصلاح الإدارة وبناء جيوش وطنية وتشييد بنية أساسية حديثة، فإن دولاً أوروبية حينها وجدت في إصلاح المجتمعات العربية ما يتسق وينسجم مع مصالحها: الإصلاح المالي يساعدها على استخلاص ديونها، إصلاح النظام القضائي يسهّل ويحمي مصالح رعاياها في بلداننا وهكذا.
في ظروف اليوم أيضاً، اذا كان المصلحون العرب يريدون تطوير نظم التعليم، مثلاً، لتصبح مواكبة لمستجدات المعرفة، فإن الغرب يطرح شعاراً مشابهاً لكن بهدف مغاير ناشئ من اعتقاد أن النظم التعليمية العربية تخلق أجيالاً من الإرهابيين والمتعصبين.
يلزم فك هذا الاشتباك بين بواعث الإصلاح، لأنه اشتباك يعقد الإصلاح ولا يسهّله.