من يتتبّع خطى الربيع العربي ودماءه المتنقّلة المألوفة بين تونس ودمشق فطرابلس فيحاء الشمال في لبنان، ذارفاً دمعةً لا تحبس على العروبة الشريدة بين الممكن والاستحالة وفلسطين القاطنة في قلب الدمعة، أو محدّقاً بالشاشات المتخمة بمشاهد اليقظات المذهبية والطائفية في تلوين الثورات الضبابية، نحيله إلى وثيقتين يبرز فيهما الشرق الأوسط مسرحاً متروكاً وشبه ممسوك، للفوضى والنزاعات على الأقلّ حتّى العام 2020 وفقاً للتقويم العسكري الأمريكي .
فالقارئ للوثيقة الأولى ذات الرقم NSC 68 الصادرة عن البنتاغون في العام ،1950 والتي خيضت الحرب الباردة وفقاً لمندرجاتها، يدرك أسباب ومعاني وأبعاد وتجارب أن تصل دولة أمريكا إلى وضع قلادة العظمة حول عنقها، وتعلن نفسها دولة أحادية تقبض على ناصية القرار العالمي . فقد حقق الأمريكيون عبر المنصّة الممتدة بين تركيا وإيران وباكستان، وخلال ستين عاماً، معظم الأهداف المرسومة في هذه الوثيقة من سقوط الاتّحاد السوفييتي وحلف وارسو، إلى إنخراط منظومة أوروبا الشرقية في حلف الناتو . واحتلّ الشرق الأوسط الخط النافر في هذه الوثيقة، من حيث مخزونه النفطي الأكبر في العالم وإمكانية التحكّم بمصادر الطاقة وخطوط الإمداد، وترسيخ لحمة الشرايين الاستراتيجية المباشرة مع إسرائيل، والصراع مع إيران الدولة الغامضة في المعضلة النووية . وقد تنتاب القارئ الدهشة لمدى التطابق بين نص الوثيقة والتحولات المنجزة أمريكياً فوق رقعة العالم حتّى الآن بالرغم من تراكماتها المأساوية، لكنّ اصطدام العظمة الأمريكية بصخرتي أفغانستان والعراق، والعاصفة المالية والاقتصادية التي كابدتها وتكابدها، تجعلنا نتساءل: أمريكا: إلى أين من هنا وفي العالم دول كثيرة تلبس ثياب العظمة؟
إلى مختصر الوثيقة الاستراتيجية الصادرة عن البنتاغون في الخامس من كانون الثاني/يناير من هذا العام ،2012 والتي تمهّد لوثيقة أخرى منتظرة بعد الانتخابات الرئاسية المرتقبة، إلاّ أنّ مضمونها الحامل للاستراتيجية العسكرية الأمريكية حتى العام ،2020 يجعلها ذات ملامح كونية رشحت بعض عناوينها في خطاب حال الاتحاد على لسان الرئيس الأمريكي باراك أوباما . فبعدما أصبح الشرق الأوسط منبعاً للإرهاب وفقاً للتوصيف الأمريكي، ستخرج الدولة العظمى، وفقاً للوثيقة، إلى الشرق الأقصى أي نحو المحيط الهادي الذي سيخرج من هدوئه ليتحوّل في العقود المقبلة إلى بحيرة أمريكية ساخنة جدّية ومحتملة . فالتركيز على الشرق الأقصى، من دون التخلّي الكامل عن الشرق الأوسط، يعني أن الصين تحديداً باتت فعلياً في مرمى الصراع الأمريكي المقبل بما تعنيه وتحمله هذه النقلة من مخاطر . تفترض تلك النقلة الجديدة، وفقاً للوثيقة، تعزيز اليابان والقارة الأسترالية كرصيدين أمريكيين حليفين قابلين للاحتواء، وتدليع الهند بأسلحة متطورة حديثة وإيقاظ شهيتها أكثر على فكرة العظمة، ومطّ العنق الأمريكي قبالة كوريا الشمالية ومشاطأة جنوبي روسيا التي خرج بها بوتين الثالث من قصر مرصّع بالذهب القيصري وكأنه يوحي بالرأي المستقيم المتجدد، بأن العظمة التي كادت تفتقدها روسيا ستعود وبنبرة واضحة يصعب قراءة مداها .
ولو دقّقنا في عناوين وآليات ونتائج الوثيقة الأولى، لأدركنا بأنّ قاطني الشرق الأوسط، سيمكثون في الانتظار والحراك بما هم عليه، وسيستغرقون في البحث عن جذورهم بما يذكّرنا بالفيلم الأمريكي الشهير بعنوان Roots أي الجذور الذي يروي قصة نضال السود وكفاحهم الدائم في تاريخ أمريكا من أجل الاعتراف بهم، كما من أجل الحرية والكرامة وحق تقرير الأفراد والشعوب والدول لمصالحهم، ومحاربة العنصرية . وفي هذا تتشابه الجذور بسمرة البشرة ولو افترقت ألوان الثورات العربية وتنابذت ووقعت في فوضى لونية ومذهبية مريرة قد تطول . فالفوضى فوضى ولو اختلفت الصفات التابعة لها بين أن تكون خلاقة أو منظمة، لأنّ مصطلح فوضى Anarchie يعني انتفاء السلطة وانهيار مؤسساتها . وتتضمن الفوضى كمصطلح عربي لما نحن فيه، المعنى نفسه . فالمجموعة الفوضوية هي الجماعة التي يتساوى أفرادها ولا رئيس نهائياً لهم . من المؤكد أن الفيلسوف برودون هو أول من استخدم مصطلح الفوضى تعبيراً عن الحد الأقصى للتقدم الإنساني السياسي، وخلافاً لمجمل المفاهيم التي تجلت في الحركة الطلابية التي ولدت في بيركلي (1924)، وترعرعت في برلين (1926)، ووصلت أوجها في باريس (آيار 1968) عندما رفرف العلم الأسود في العاصمة الفرنسية مسقطاً ديغول، وغطّت الشعارات الفوضوية جدران المدن الجامعية والشوارع في أوروبا، فهي حالة وجدت على ما يبدو في الشرق الأوسط أسواقاً رائجة لها، لكنها تأتي هذه المرة أمريكية المناخ أي مستوردة، ووقعنا جميعاً في حفرها، مع أنّ برودون نفسه عاد وأقر بأن القانون وحده هو الذي يحافظ على النظام والاستقرار كما على الحريات ونهضة الشعوب . وباتت الفوضوية، إذاً، ليست غياب النظام أو الغوغائية واللامسؤولية، بل الحالة التي يصلها مجتمع ما وقد تطور حتى استغنى عن أي تنظيم خارجي مفروض . إنها الحالة التي تحل فيها الأخلاق محل القانون والبوليس والسجون . وقد لا نجد بقعة على وجه الكرة مضمّخة بالقيم النبيلة أفضل من الشرق الأوسط، حيث منه انبثقت الديانات التوحيدية الثلاث، ويقع شعوبها في الشراك الكثيرة المنصوبة لهم، لا لمخزونهم السماوي الذي انطفأ وهج امتداده نحو الغرب كلّه، بل لمخزونهم الأرضي أعني البترول .
نحن نلاحظ أن الفوضوية تستجيب بقدر كبير لحاجة العصر الأمريكي إلى امتلاك العظمة بما يسهم معها في امتلاك المستقبل! وليس بين الأفكار الفوضوية كلها سوى رفض الدولة كعامل مشترك بالنسبة إلى المستقبل القريب عند الشعوب المتحضّرة . يعني رفض الدولة عدم النظام بسبب غياب السلطة المنظمة، ولكن انعدام النظام الذي تورثه التظاهرات والتفجيرات وغيرها من أعمال الشغب؛ يمكن أن تكون له أسباب أخرى غير غياب السلطة المنظمة، بل إنه يأتي أحياناً كثيرة نتيجة السلطة نفسها التي يؤدي التباسها وتعثرها إلى ادعاءات تخلق أو تزيد من انعدام النظام، الأمر الذي يجعلها تميل ولو بالتفكير، إلى قوة قسرية تعجّل في رحيلها وتضاعف من عدم الانتظام العام .
ويلتمس الفوضويون في تحقيق أفكارهم الطريق الإصلاحي الحواري أو الثوري الذي يرتكز على طريقين مهما كانت الوسائل والنتائج، وهما المقاومة والتمرد، والعنف من ضروراتهما حيث يبدو في التنظيم العفوي والتلقائي أن التطور في المستقبل سوف يجعل الدولة بالضرورة تختفي، ولا يتم إلغاء كل الأنظمة والقوانين إلا بعد رفضها بشكل كامل من الأفراد والجماهير التي تؤسس أنظمتها انطلاقاً من عفويتها وتلقائيتها . تلك هي سمة الديمقراطية القسرية التي تدفع بها أمريكا نحو السطح في العقد الراهن .
وعلى الرغم من الاختلاف والتنوع في التجارب السياسية التي قدمها ويقدمها لنا التغييريون بين العواصم العربية، فإننا قد نرى الفوضويين يختلفون ويتصارعون لفظياً وعسكرياً على جنس الملائكة، ويجدون في تشرذمهم تعويضاً عن إخفاقاتهم في سرعة التغيير أو الاستقرار . الخلاصة، إن متفجرة واحدة قد تهز دولة، ولكن ملايين الأطنان من المتفجرات المزروعة بهدف الفوضى المنظمة أو الخلاقة أو غيرها قد لا تهز جذور Roots الذين يتشبّثون بجذورهم وقيمهم وتاريخهم وتسامحهم في تصديرهم ما هو أبعد من الدول والمصطلحات المدفونة المستيقظة مثل الحرية والعدالة والمساواة والإيثار والوقوف الدائم على رؤوس الأصابع .
تذكير ويقظة على لون بشرتنا الذي يوحّد أزمنتنا؟ ربّما، لكن واقعنا سيبقينا مرميين في الفوضى عقداً جديداً من الزمان . هل ننتظر؟ نعم في المزيد من الفوضى .
سياسي وكاتب وأستاذ في المعهد العالي للدكتوراه، لبنان