كيف نقيس المسافة بين الصبر والانتظار؟

هل ثمة مسافة أصلاً بينهما؟ أيكون الصبر هو نفسه الانتظار، أم أن الانتظار ليس سوى درجة من درجات الصبر، فمن لديه طاقة على أن ينتظر أمراً قد يطول، هو نفسه الإنسان الصبور أو المستعد لأن يكون صبوراً. أم أن الصبر شيء والانتظار شيء آخر؟

إن اللبس المحيط بالعلاقة بين الصبر والانتظار يحيل إلى حقيقة أن الانتظار يعني الأمل والرجاء. في الانتظار شيء من اللهفة والشوق أو الحرقة، أما الصبر ففيه شيء من السكون، والتآلف مع حقيقة أن الأمل مؤجل.

ليس الصبر هو الانتظار. يمكن لإنسان صبور اختُبر في الحياة وجُرّب، فأبدى من رباطة الجأش وقوة الأعصاب الكثير أن تنهار أعصابه في برهة انتظار، يمكن أن يبلغ شد قوس الانتظار عنده حده الأقصى فيكاد أن ينكسر. يمكن لانتظار مكالمة تأخرت، أو طائرة لم تأت في موعدها، أو موعد لقاء تعثر، أن يضع الصبور على محك الاختبار، فيكتشف أن رباطة جأشه أو قدرته على التحمل منذورة للأشياء الكبرى، لا للأشياء الصغرى.

لكن ما الأشياء الكبرى وما الأشياء الصغرى؟ ما المعيار الذي على أساسه نجعل من الشيء كبيراً أو صغيراً؟ جرت العادة أن تقسم الأمور على أساس أن ما هو عام، خارج روح الإنسان، هو الشيء الكبير، أما الشيء الصغير فهو ما يتصل بعالمنا الروحي، بدواخلنا.

أيكون هذا هو أساس ذلك التقسيم بين الصبر والانتظار؟ أيكون الصبر على أعباء الحياة ومشاقها، ويكون الانتظار رديف ترقب الأشياء الحلوة: موعد اللقاء الحميم، الرسالة المسافرة بين مطارين أو مدينتين، الهاتف الليلي أو الصباحي؟

ربما. ساعتها سنفهم لماذا يكون الانتظار أحياناً مضنياً ومعذباً، ولماذا يكون في أحيان أخرى جميلاً وعذباً وباعثاً على الفرح. من منا لا يذكر تلك الحال من البهجة التي تسبق موعد لقاء انتظره طويلاً. لماذا يزداد خفقان القلب مع اقتراب موعد اللقاء وتشب براعم الروح الخضراء يانعة؟ لماذا نشعر بأننا والوقت في سباق؟ كأننا نعدو لنسابق الزمن، كأن رغبتنا الدفينة هي أن نقفز عليه، أن نكون خارجه، كأن اللقاء خارج الزمن.

حينها نمتحن مقدرتنا على الصبر فتبدو صفراً. إننا لا نصبر، إن صبرنا ينفد. ودرجة نفاد الصبر هي مقياس درجة اشتعال القلب.

[email protected]