لبنان والعتمة "الإسرائيلية"

05:27 صباحا
قراءة 3 دقائق

لعل من أبرز الأحداث المثيرة على الصعيد العربي في هذه الآونة الأخيرة، والتي لم تأخذ حقها بعد، هي إنتاج إسرائيل للغاز من حقل تمار، مع استمرارية الوجود العسكري الإسرائيلي على أرض دولة لبنان . ترتب على هذا الوجود نتائج سلبية على سائر الصعد السياسية والأمنية والاقتصادية والمالية . وسوف تجر ذيولاً وآثاراً يتفاقم ضررها بعد اكتمال تصدير إسرائيل هذا الغاز إلى دول العالم . وكان قدر لبنان -كدولة- أن يتخذ قراراته وفق ظروف دول إقليمية أخرى ويسير بمقتضاها، كتائه في مهب رياح الأهواء السياسية، تُسيّره بعض الدول وفق جريانها، ويدور حيث تدور، وتتحكم فيه عوامل عدة . وتلعب مصالح هذه الدول دوراً في رسم ملامح وسياسة لبنان مع الدول الأخرى، ما سهل للكيان الصهيوني أن ينفذ مخططاته؛ وآخرها استخراج وسحب الغاز من الأراضي اللبنانية .

فقد ذكرت وكالات الأنباء أن إسرائيل تستعد لاستقبال إنتاج أكبر حقل من حقول الغاز في المنطقة، وهو حقل تمار الذي تم اكتشافه في البحر المتوسط عام ،2009 ويقع هذا الحقل الكبير على بعد 50 ميلاً غرب مدينة حيفا على عمق 5500 قدم تحت سطح البحر، ويمتد إلى المياه اللبنانية . وقد أبرمت إسرائيل عقداً طويلاً لتصدير الغاز إلى الهند من هذا الحقل الجديد الذي يبدأ الإنتاج في العام 2013 .

ويقدر خبراء النفط والغاز أنه سيغطي احتياجات أكثر من دولة، وربما يكون هذا الحقل الرهيب في عمق البحر سبباً في أزمات كبرى ما بين سياسية وعسكرية واقتصادية بين لبنان وإسرائيل . ومن هنا يتضح المخطط الإسرائيلي الذي لا يتوقف عند حدود إسرائيل، وتحويلها إلى قوة ضاربة في المنطقة، كما أنها لا تتوقف عند تأمين رفاهية الشعب اليهودي، ولكن المخطط هنا أبعد، فلكي تحقق أهدافها لابد من غزو العالم وتفتيت الجهود البشرية . إنه بلفور الذي أهدى أرضاً لا يملكها لمن لا يستحقها، وأطلق وعداً تاريخياً كان سبباً في طرد وتهجير أصحاب الأرض الحقيقيين، والاستيلاء على أرضهم بمن عليها وما عليها، وأهدى هذه الأرض التي ارتوت بدماء أهلها الأصليين إلى تلك القادمة من أسقاع سيبيريا وهوامش بولندة وأزقة نيويورك، فيما أصحاب الأرض قُذفوا ليس خارج الأرض فحسب، بل خارج الحياة، وهذا هو الجارح المريض، المعتدي الأثيم يحصد تهاني العالم المتحضر وهو يستغل غاز لبنان وأرضه، بينما المعتدى عليه يُكرس في صورة الهمجي والمتخلف الذي لا يليق به إلا التشريد الدائم والترحال الأبدي . المعتدي الطارئ على الجغرافيا يُكرس في التاريخ رمزاً للضحية والبراءة، ويمنح أرضاً ليست له، بعد أن استبدلت إسرائيل بشعار الأرض مقابل السلام، شعار السلام مقابل الأمان، وهنا معنى أن إسرائيل لن تعطي أبداً، وإنما ستأخذ فقط، تريد الأمن والأرض والسلام معاً، لقاء وعود معدودة أو محدودة، لا ضمان لها على الإطلاق، وهي مستمرة في تشجيع الهجرة إلى إسرائيل، والتوسع في المستوطنات وضرب اقتصاد لبنان .

هذا البلد الصغير بمساحته، الكبير بمقدراته وإمكاناته، تجلت فيه المدنية، وحفِل بكثير من العلوم والمعارف، بلد يعيش وسط العالم ويحتضنه البحر من جانب، ويتكئ على الجبل من جانب آخر، هو اليوم مُثخن بالجراح من جراء الفتنة ووسائل العنف والاضطراب، بسبب الأحداث العاصفة التي حملتها رياح الضغائن، وأملتها روافد الأحقاد، وحفرت العداوات بمعاولها لتستيقظ الفتنة الطائفية وسط عواصف وعداوات مستورة وأحقاد مطمورة . لبنان بلد السهول والهضاب والوهاد والمرتفعات، قمم يتربع فوقها الثلج، وينابيع يفيض منها الماء، وأنهار تجري، تحولت أرضه مسرحاً لاستخدام المتفجرات وتجديد العداوات . واليوم تنكشف هذه الدوافع الإسرائيلية في الاستيلاء على الأرض من أجل تحقيق أهدافها ووجودها وقدرتها في المستقبل على تطبيق المبادئ الصهيونية، لذا يتوقع منها التخطيط المستمر والشامل، لأن التخطيط يربط الأعمال الأمنية والاقتصادية بالطموحات البعيدة المدى واطّراد العمل التنظيمي، تنفيذاً للفكر التحليلي المهني، وخدمة لضرورات الواقع .

والواقع يؤكد الطريقة التي لجأ إليها الكيان الصهيوني في لبنان، ففي كل هذا السياق أصبحت الوقائع الفعلية شيئاً طبيعياً عندما تقوم إسرائيل باستغلال الغاز من مناطق تقع تحت السيادة اللبنانية، ومنذ أن وضعت إسرائيل قدميها في لبنان ولبنان يشتعل بنار العداوة، ويغلي بالبغضاء، ويحترق بنار السلاح الذي يسربه الكيان الصهيوني لمواصلة اشتعال الفتنة واستمرار الدمار، بهدف تحقيق أهدافه وأطماعه الاقتصادية التوسعية على أرض لبنان، كما فعل على أرض فلسطين .

إنها وصمة عار في صفحة العصر الحديث، ولذلك فإن سَحب الغاز اللبناني يُعدّ جريمة سطوٍ بالإكراه لايقبلها ضمير العالم فضلاً عن قوانينه؛ فعلى مجلس الأمن الدولي أن يتحرك بجدية لاتخاذ كل الإجراءات القانونية والضرورية لوقف استغلال موارد لبنان والضغط على الكيان الصهيوني بما يكفي لمواجهة تحديه السافر لكل البشرية .

* كاتب من الإمارات

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"