لكل زمان دولة ورجال . في الزمن الأمريكي القريب جداً كان وزير الولايات المتحدة الأمريكية الأسبق كولن باول هو الرجل المركزي الذي يسوق الحجج في مجلس الأمن لإقناع العالم بأن حروب أمريكا حروب عادلة وديمقراطية، وكانت للرجل لمسات دبلوماسية عندما يصافح وزيراً هنا أو هناك، تختلف قليلاً أو كثيراً عن لمسات كوندوليزا رايس، وعن إيقاع وزير الحرب رونالد رامسفيلد القليل الحجم والمتحرك في الليل أكثر من حركته في النهار .

لا بد أن غالبية العرب أو بعضهم على الأقل يستعيدون تلك الصور الكاريزمية المصنوعة جيداً بخبرة إعلامية نفسية، وهم يشاهدون صوراً جديدة لزمان ورجال أمريكيين جدد .

أمس، كان جوزيف بايدن يلمس بيديه البيضاوين رقبة بيريز خلال زيارته للكيان الصهيوني . اللمسة حميمية تماماً وتعبيرها الدلالي بلغة الجسد يذهب إلى التعبير السياسي أكثر من الإشارة الوجدانية .

. .وعندما أربت على كتفك فأنا أشجعك، وعندما أشدّ على يدك في المصافحة فأنا أؤيدك بالمطلق، ثم، إذا وضعت يدي على ظهرك وأنا اصطحبك إلى مائدة عشاء، فأنا وأنت في خندق واحد، أما إذا عانقتك وجهاً لوجه فنحن أخوة .

لغة الجسد السياسية وإشاراتها الموزونة في الخفاء والعلن تحتاج إلى عالم اجتماع وعالم نفس، لكنها في الحالة الإسرائيلية - الأمريكية والفلسطينية أسهل من ذلك بكثير .

مجرد لمسة على الرقبة أو على الكتف، أو مجرد شدّ اليد على اليد بالنسبة إلى الإسرائيلي يعني أن امضِ في أشواقك اليومية لبناء المستعمرات . أو خذ الضوء الأخضر لقتل ومحاصرة المزيد من الفلسطينيين وحتى بقية العرب، ثم، ومجرد مصافحة ومعانقة مسؤول فلسطيني أو مسح الغبار عن بذلته في حركة دراماتيكية بالغة الذكاء الدبلوماسي والخفة يعني أن اطمئن تماماً وضع يديك ورجليك في ماء بارد .

كان ياسر عرفات رحمه الله، كثير التبويس، وكان وجهه الأيقوني خفيف الشعر بكوفية لم يتغير شكلها منذ أن وضعها على رأسه في الستينات من القرن الماضي . . كان رجل لمسات هو الآخر، ولكن الكثير من الفلسطينيين الشعبيين اليوم يعتقدون أن أبو عمّار كان يغسل يديه ثلاث مرات بعد كل مصافحة ليد ملوثة بالدم، كما يعتقدون أيضاً أنه كان يغسل فمه جيداً بعد كل عناق .

. . تُرى، هل من الممكن أن نصل، ولو بإدراك تعبيري صغير، إلى أن بايدن هو مادة سياسية قابلة للغسيل؟

yosflooz@gmail .com