لِمَن لم يقرأ الخبر الذي منه اخترت عنواني أعلاه، أقول إن الحديث هنا لا يدور عن امرأة اسمها مريم، رغم أن فلسطين أحق البلدان بأن تسمي نساءها باسم مريم، كما أن الحديث لا يدور عن السيارة الألمانية الشهيرة مرسيدس، ولكنه مستوحى منها لأنه يدور عن سيارة .
والسيارة موضوع الحديث اخترعها مخترع فلسطيني في الخامسة والستين من عمره، وتعمل بالكهرباء، وقد وصفتها الصحافة بأنها الأسرع بين نظيراتها في العالم .
المخترع محمود مجاهد استعان في تصنيع السيارة بقطع غيار من سيارات قديمة، وقد أعاد هذا إلى ذهني مقاربة ذكية لكاتب مغربي عن استخدامات العمال المهاجرين المغاربة العائدين لبلدانهم لقطع الغيار في أغراض مختلفة، حيث يمكن لبرغي ثلاجة مثلاً أن يستخدم مكان برغي مفقود في سيارة قديمة، ويمكن لمُولد (مُوتور) مكيف مثلاً أن يكون مُولداً لجهاز آخر، وهكذا .
كان هذا الباحث يتحدث عن فطنة هؤلاء المهاجرين في استخدام قطع الغيار هذه في أغراض غير تلك التي صنعت من أجلها في الأصل، فلم يخطر في بال مصنع السيارات أن البراغي التي يشد بها هيكل السيارة، يمكن أن تستخدم في أغراض أخرى غير تلك التي كانت في ذهن المصمم الأصلي للسيارة .
لدى مخترع مريم سيدس الفلسطينية فطنة مثل هذه، جعلته يتغلب على صعوبات الوضع المعقد في الأراضي المحتلة، باختراع سيارة، لا في مصنع حديث مجهز بأحدث الأجهزة والمكائن، وإنما من خلال قطع غيار يفترض أن عمرها الافتراضي قد انتهى، فبدلاً من أن تتحول إلى خردة، امتلكت حياة إضافية، جديدة، على يديه .
لكن ثمة أمراً آخر مهماً يلفت هذا الاختراع نظرنا إليه، عن الأدمغة الفلسطينية النابغة في أكثر من مجال . فرغم قسوة الاحتلال وهمجيته، فإن الفلسطينيين قدموا العديد من المواهب اللافتة في أكثر من مجال: كم عدد الأطباء الفلسطينيين المرموقين لا في فلسطين وحدها وإنما في العالم العربي وفي كبريات المستشفيات العالمية؟ وكم عدد المهندسين الفلسطينيين الذين بروزا في مجال تخصصهم؟
يمكن أن نستمر في طرح أسئلة أخرى في هذا المجال عن عدد المصرفيين والإداريين والصحافيين والإعلاميين الفلسطينيين الذين لهم بصماتهم الواضحة لا في بلدهم وحده، وإنما خارجه أيضاً .
ويمكن أن نمضي أكثر، فنقول مَنْ يضاهي قامات محمود درويش وإدوارد سعيد وناجي العلي وغسان كنفاني وغيرهم في مجالات إبداعهم؟
Dr.h.madan@hotmail