تميزت معركة الميل أربعين (مارس/آذار 1997)، بثلاث ميزات جعلتها الأكثر شهرة بين سلسلة معارك الحرب الأهلية التي دارت رحاها في جنوب السودان. ولا شك أن موافقة السلطات السودانية على نشر الوثائق المرتبطة بهذه الحرب ستلقي مزيداً من الضوء على هذه المعركة الفريدة.
جاءت معركة الميل أربعين وسط انهيار شمل جبهات القتال المختلفة في المنطقة الاستوائية، بعد انتشار وصل حتى حدود الكونغو وأوغندا وكينيا. والميل 40 هي النقطة التي انتهى عندها تراجع الجيش وأقام بها معسكراً صغيراً لعرقلة زحف المتمردين نحو مدينة جوبا.
ثانياً، أنه وعلى عكس ما كانت عليه الحال في مراحل الحرب الأخرى، فقد دارت معركة الميل أربعين وسط اختلال كبير في موازين القوى لصالح الجيش الجنوبي هذه المرة. كانت القوة الشمالية صغيرة في عديدها وعدتها، «160 مقاتلاً بين جندي وضابط ومتطوع من طلاب الثانويات والجامعات»، في مواجهة قوة مندفعة مكونة من مئات الجنود والضباط المحترفين مكتملي التسليح وبمساندة عشرات المدرعات المتطورة وأسلحة المدفعية الثقيلة.
ثالثاً، وهذه نقطة وردت في بيانات وزارة الدفاع السودانية، أن القوة المهاجمة ضمت أعداداً كبيرة من قوات الجيش الأوغندي إلى جانب قوات المتمردين في إطار «عملية الأمطار الغزيرة»، التي أطلقها الجيش الأوغندي لمساعدة المتمردين على اجتياح مدينة جوبا كبرى مدن جنوب السودان. وفي المقابل فقد تلاحظ أيضاً أن لهجة التعبئة التي استخدمتها القيادة الميدانية للقوة الشمالية ركزت على الروح الوطنية ووحدة السودانيين خلافاً للخطاب الديني الذي كان سائداً في تلك الفترة.
كان معسكر الميل أربعين الصغير يستعد للمعركة ومن ورائه جبهة مهزوزة وممزقة أساسها آلاف الجنود الذين خاضوا معارك خاسرة سقط فيها المئات بين قتيل وأسير، وأصيب فيها العشرات بجروح واضطر الناجون إلى إخلاء مواقعهم والانسحاب إلى جوبا، مركز قيادة الجيش، والتي باتت بدورها مهددة بالسقوط في قبضة المتمردين. كانت رهانات النصر والهزيمة واضحة في معركة الميل أربعين وحتى احتمالات الصمود لأكثر من ساعات قليلة كانت مستحيلة. لكن هذه المجموعة الصغيرة من المقاتلين عكست كل التوقعات العسكرية وحققت النصر في المعركة.
حاصرت الدبابات المجموعة الصغيرة. وقصفتها بمئات الصواريخ، ولمدة يومين كاملين، ثم تقدمت في اليوم الثالث ومن خلفها حشود المشاة. لكن المفاجأة كانت أن الفدائيين ما زالوا أحياء. وأنهم اندفعوا من خنادقهم ليفجروا المدرعات العمياء أو يحرقوها، أو أحرقوها أو سيطروا على تلك التي هرب منها طواقمها وخاضوا بها القتال بشكل دائري. نصب القائد آدم ترايو وجنوده فخاً محكماً وشجاعاً أربك المهاجمين ومزق صفوفهم وأجبرهم على التراجع والانسحاب .
خلفت المعركة 70 قتيلاً من قوة الميل 40، بينهم القائد ونائبه. وبالمقابل استعادت قوات الجيش في جوبا جأشها وروحها للقتال. جسدت الميل أربعين آخر مظهر لبسالة المقاتل السوداني وجرأته وذكائه وفدائيته في الحرب، والأهم من ذلك أنها مهدت الطريق للمضي قدماً في طريق التسوية السلمية التي وضعت نهاية للحرب وحقنت دماء السودانيين.
معركة الميل أربعين
11 فبراير 2016 00:07 صباحًا
|
آخر تحديث:
11 فبراير 00:08 2016
شارك
فيصل عابدون