قفزة كبيرة الفراغ، وانتقال مباشر من قاع هرم مواجهة الأزمة إلى قمته، وتحذير من رأس هرم حماة الديار من خطورة انهيار الدولة المصرية، واشتباك سياسي وميداني، عناصر المشهد المصري الذي بات التصعيد فيه في الأوج، ولم يترك مكان فيه إلا للغة المواجهة .
مصر تشهد حراكاً تصعيدياً، واحتجاجات ومواجهات، وتشهد سقوط مزيد من الضحايا، وتشهد أيضاً استمراراً لحالة التجاذب وتراشق الاتهامات، وهناك كل الأطراف تعتقد أنها على صواب أو أن لديها مطالب محقة .
أما الإسلاميون فيقودون الدولة نحو الفشل، ويثبتون أنهم قدموا لبناء ديكتاتوريتهم الأولى في البلاد من خلال تعنت السياسات والإجراءات، فبدلاً من مواجهة الأوضاع بحكمة وتبصر في العواقب، يقفز الحاكم بأمر الجماعة من قاع هرم إجراءات مواجهة الأزمة بطريقة سلمية حضارية، إلى قمة الهرم بإعلان طوارئ جديد، في محافظات قناة السويس الثلاث .
الإعلان ذهب أدراج الرياح، وغدا أقل قيمة من الحبر الذي كتب به، لأن المصريين ككل يرفضون عودة غول الطوارئ الذي فرضه الرئيس الأسبق أنور السادات، واستمر أكثر من ثلاثة عقود، وورثه النظام السابق، لتثبيت أركان الدولة البوليسية، دولة القمع وتكميم الأفواه وملاحقة المعارضين .
لو كان من يمسك زمام الحكم في مصر إدارياً على الأقل، لا حكيماً، لكان أدرك أن المطلوب إدارة الأزمة لا الانخراط فيها أو محاولة إثبات السيطرة واستعراض العضلات، من خلال سياسات قديمة أودت بأصحابها في النهاية، فالوضع لا يحتمل تسلطاً جديداً، أو استفراداً مستنسخاً، أو محاولة إدارة البلاد بالحديد والنار .
المسؤولية عن التطورات غير محمودة العواقب التي تشهدها البلاد، تقع على عاتق الكل المصري، وإن كان الرئيس وحزبه الحاكم، وجماعتهما، يتحملون معظم المسؤولية عن التطورات المؤسفة لمسار الأحداث، ذلك أن جميع الإجراءات والخطوات التي يتخذونها بوحي من أهوائهم أو ضغوط من الخارج، تعبّر عن عقلية إقصائية، وهوسٍ مرضي بالكرسي، وهالة الحكم، يصل في معظم الأحيان إلى محاولة الهروب إلى الأمام بتصدير الأزمة، وإطلاق الاتهامات لأطراف خارجية بالتدخل .
قد تكون هناك أطراف خارجية تحاول التدخل واختراق الساحة المصرية، لكن الخاصرة اللينة التي تحاول النفاذ من خلالها هي الحزب الحاكم الجديد، الساعي بقوة إلى إثبات حسن السلوك أمام الغرب والعالم، والباحث عن استيعابه وطيه تحت جناح قوى دولية كبرى، لم يكن في واردها في أي يوم من الأيام غير مصالحها المطلقة .
الأزمات تدار ولا تواجه بالقوة أو القرارات الجوفاء التي لا تجد سبيلاً للتطبيق على الأرض، وعلى السلطة الحالية في مصر ألا تفكر مطلقاً في زج الجيش في المواجهة، لأن دوره ليس مواجهة الداخل السياسي، بل مواجهة التهديد الخارجي لسيادة مصر الدولة، وضمان استقرارها الداخلي بصفته لكل المصريين من دون استثناء .
الحراك في مصر لن يتوقف إلا من تلقاء ذاته، وذاك لن يكون قبل أن تلبى مطالب ثورة 25 يناير، وتتحول القيادة إلى انعكاس لنبض الشارع وتوجهاته، لا إلى كاتم صوت يستهدف إسكات الأصوات المعارضة، ولا إلى قوة تنفذ أجندات حزبية أو خارجية .