ندم للصفح وندم للتدمير

شيء ما
04:19 صباحا
قراءة دقيقتين
يأتي الندم عادة حيث لا ينفع الندم. من طبيعة الندم أنه يأتي متأخراً بعد أن يكون الأوان قد فات، ولا سبيل لتصحيح الفعل أو التصرف الذي عليه نندم. ربما استفدنا من هذا الخطأ في المستقبل، لكن ما اقترفناه من خطأ، أو ما نظنه خطأ أصبح في ذمة الماضي. لذا نندم لأننا أضعنا أوقاتاً ثمينة أو بذلنا من المال الكثير، أو أتلفنا أعصابنا ونحن نجهد ونلهث وراء مشروع أو هدف، وأرهقنا من العمر سنوات نثق في أشخاص نكتشف أنهم لم يكونوا جديرين بهذه الثقة.والندم بهذا الفهم ملتبس مع مشاعر كثيرة، كالشعور بالأسى والخيبة مثلاً، أو بالعجز عن إتيان فعل يعوض لنا الخسائر التي لحقت بنا جراء تصرف من التصرفات قمنا به، بعد أن كنا قد تجرعنا الكأس المرة للأخطاء أو للأفعال التي تقودنا إلى الندم لأنه لم تكن لدينا البصيرة الكافية لاستشراف المستقبل وتوقع ما قد يجره أمر أقدمنا عليه من تبعات غير محمودة.يندم الإنسان أحياناً لأنه تسرع في الإقدام على خطوة ما من الخطوات من دون تروٍ أو تمعن في أبعادها وعواقبها، وما أن يلمس النتائج غير المرضية لتلك الخطوة سرعان ما يأسف لما جرى، كأن لسان حاله يقول لو أنني تمهلت بعض الشيء لربما كانت الأمور آلت إلى مآل آخر مغاير لذلك الذي آلت إليه فعلاً. ولكن الإنسان يندم أيضاً على البطء، على تأخره في اتخاذ القرار الذي كان عليه أن يتخذه في لحظة سانحة لم يقدرها، ومن عادة مثل هذه اللحظات ألا تتكرر، لأن الزمن لا يجود بالفرص الذهبية دائماً.الندم يمكن أن يكون حالة من التطهر، يلتقي مع الغفران والصفح في منطقة من المناطق، حين يصبح وسيلة لتجاوز الماضي والانطلاق نحو حياة جديدة. ويمكن، على العكس من ذلك أن يكون حالة من التدمير للذات والنفس، حين يجعل الإنسان أسير الشعور المعذب بأن حياته سلسلة من الخيارات الخاطئة. لعل الأصح أن نسلم بأن في حياة البشر مساحة دائمة للخطأ، للخيارات الخاطئة، وأجدى أن نسعى لتصحيح هذه الخيارات طالما كان الأمر بوسع أيدينا من أن نعيش أسرى العذاب الدائم الناجم عن الشعور بالندم على تلك الخيارات.د. حسن مدن[email protected]

عن الكاتب

كاتب من البحرين من مواليد 1956 عمل في دائرة الثقافية بالشارقة، وهيئة البحرين للثقافة والتراث الوطني. وشغل منصب مدير تحرير عدد من الدوريات الثقافية بينها "الرافد" و"البحرين الثقافية". وأصدر عدة مؤلفات منها: "ترميم الذاكرة" و"خارج السرب" و"الكتابة بحبر أسود".

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"