نشيد العنف والسياسة المظلمة

04:50 صباحا
قراءة 4 دقائق

خرجت أوروبا ومعظم العالم من الحرب العالمية الثانية بنتائج تخرج عن المألوف، فقد عمّ الدمار في كل مكان، وكل شيء أصبح قبيحاً، فلا تسمع في المدن الكبيرة خفقات أجنحة ولا حفيف أوراق، والجدران باتت مغطاة بطبقة من رماد داكن نتيجة أسلحة الدمار . وكان الناس يموتون من تأثير المواد السامّة وبفعل الجوع والعطش . وآنذاك شغلت أسئلة كثيرة عقول العلماء والفلاسفة وتتمحور هذه الأسئلة حول دور الدين في الحياة ومستقبل العالم، فذهب فريق إلى أن العالم سيتجه إلى التدين بعد ما شاهد من أهوال الحرب، لأن الغرب تمسّك بالعلم وأقصى الدين فكانت الويلات نهاية هذا الأمر . لكن قد لا تكون هذه الكوارث والحروب آفة العلم، لأن العلم سلاح ذو حدين يُستعمل في الخير والشر على السواء، إذا الإنسان نمّى شعوره الديني كما نمّى علمه، وقد توقّع علماء آخرون تخريب العالم بالحروب وتوقّعوا الضحايا بالملايين والدمار الشامل، واختلف الرأي بينهم، فذهب فريق منهم ويمثّلون الأغلبية إلى ضرورة استنباط الدين من العقل المحض وكان دفاعهم العقلي عن الإيمان بالله وبالخلود والنفس وباللطف الإلهي وهو نتيجة ضرورية لأزمة ربط الأخلاق التي تقود على نحو يتسع بالأخلاق بما يجعل جوهر الإنسان في تصوره للإرادة الإلهية التي يستنبط منها المعيار الإيماني والخير الأسمى . وهذا ما أشار إليه الفيلسوف الألماني ألن وود في كتابه الذي ألّفه عام ،1958 أن الدين جزء أساسي ويتجاوز التصورات العقلية ويجعل الإنسان ميّالاً إلى الخير في الطبيعة والإنسانية بفضل طهارة المبدأ أو القاعدة العليا بإصلاح الأخلاق وتحويل العقلية وتأسيس الخلق على الكمال الأخلاقي وهو غاية الخالق من خلق العالم والكلمة التي بها توجد كل الأشياء ومن دونها لم يكن شيء ممّا كان . وقد يتساءل عن الموجة الإلحادية التي سادت العالم بعد الحرب والدعوة إلى الإلحاد والابتعاد عن الدين وفصل الدولة عن الإيمان الديني رغم إيمان الجميع بأن العلم أثبت أن المادة لا تنعدم فكل ذرة في هذا العالم لا تفنى ولكن تتحول من حبة الرمل وقطرة الماء إلى شيء آخر فالشمعة تحترق وتبدّد الظلام وتتبدّد هي أيضاً . ولكن الكيميائي يستطيع أن يثبت أن عناصرها لم تفنَ وإنما تفرقت في الجو وهي موجودة في الهواء ولكن في وضع آخر تغيّر شكلها وإنما لم يتغير جوهرها وإن كان العالم ليس مادة فقط وإن كان مادة وروحاً والعلماء يقرّون أن المادة لا تفنى وأن الطاقة لا تفنى فكيف تفنى الروح وإن الروح هي التي تمسّ المادة فتدبّ فيها الحياة . إنها تحل في الجسم فيعقل ويفكر، وتبقى الروح حية خالدة، وتبقى فيما قدّمت من عمل تحيا فيما خلقت من أمر . فتلقى ربها حامدة لخيره، حيث إنه لا يمكن تصور العالم من دون وجود الروح ولا يمكن الاعتقاد بوجود الروح من دون الاعتقاد بوجود الخالق وهو الله سبحانه وتعالى الذي أبدع هذه الأجرام والأكوان والمخلوقات وأعطى الإنسان العقل ليفكر ويتأمل في ناموس الوجود ويبحث في الأسرار الغامضة . ولكن الإنسان استخدم عقله في الشر فأنتج هذه الأسلحة الفتاكة والمواد القاتلة وشحن قلبه بالحقد على أخيه الإنسان لكي تزداد وتيرة الأحقاد بين أبناء البشر نتيجة التكالب على المادة ونسيان الروح الأمر الذي سيدفع بالنهاية إلى وقوع الحرب العالمية الثالثة التي يجمع العلماء على أنها مقبلة، لأن البشرية تعيش حالة من حالات الصراع الإيديولوجي في ظل الوضع المتوتر بين بعض الدول وتضخيم المساوئ باستخدام جميع وسائل التهويل والدعاية الإعلامية والتخريب وإيقاع الشقاق بكل الوسائل غير المستخدمة في الحرب المسلحة الفعلية، والآن وقد بلغت هذه الخلافات ذروتها كما كان عليه العالم قبل الحرب العالمية الثانية والتي كانت بمنزلة النذر الأولى للحوادث الخطرة التي تقع الآن وآخرها ما صرح به سفاح أوسلو أندرس بيرينغ بريفيك المتشدد واليميني المتطرف ومن الغلاة في الصهيونية عندما قال مهمتنا هي العمل كمنظمة مسلحة تدافع عن حقوق السكان الأصليين وكمنظمة صليبية تناهض الإسلام وأنا صليبي أحاول تجديد روح الحروب الصليبية . دعونا نحارب جميعا من أجل إسرائيل لنحارب مع إخواننا الصهاينة كل من هو ضد الصهيونية . إنني أستخدم الإرهاب وسيلة لإنقاذ الجماهير النائمة وأفتح عينها على خطر الإسلام، ولقد فعلت ما فعلت لأنقذ أوروبا من خطر الإسلام . وكان قد نشر رسالة على شبكة الأنترنت مكونة من 1500 صفحة زعم فيها أنه جزء من مجموعة خفية تريد سيطرة سياسية وعسكرية للدول الغربية الأوروبية وتنفيذ أجندة سياسية محافظة، واستعدادها لحرب مسيحية دفاعا عن أوروبا في مواجهة السيطرة الإسلامية، وبعد أن قام بقتل 91 شخصاً يوم السبت 23/07/2011 في النرويج، وصف رئيس الوزراء النرويجي ينس ستولتنبيرغ هذا الاعتداء ب المأساة الوطنية وأضاف أنه منذ الحرب العالمية الثانية لم تضرب بلادنا مطلقا أي جريمة بهذا الحجم . هذا السفاح تقف وراءه جمعيات سرية وقوى خفية أثرت في عقله وروحه وآثرت العمل في الظلام لهدامة سياسية يراد بها إبدال مجتمع بمجتمع لغاية هي التأثير في سير الحوادث ومصائر المجتمعات والأمم ومد الأدوار والثورات السياسية والاجتماعية بهدف تدمير أسس المجتمعات وبالأخص الإسلامية إلى الأعماق لتودي بمضي الزمن إلى تفككها واضمحلالها . وتجتمع هذه المنظمات السرية حول مبدأ سياسي، وبأغلب العنصر المادي في نظم البناء الحر (جمعية البناء الحر) في الوقت نفسه وإن اتخذت من العنف والقوة في تأييد أقصى حدود التطرف في سبيل تحقيق أهدافها في ما وراء العالم الظاهر بهدف سحق المجتمع من خلال إبادة نظمه الاجتماعية والتقاليد الأخلاقية وهدم كل التعاليم والمعتقدات الدينية الإسلامية أو غيرها من الأساس .

العلماء يحللون الأحداث وتنامي المشاعر اليمينية المتطرفة ويستقرئون الحقائق لبلوغ وإدراك محركات العالم ودراسة العراك العنيف بين العلم والدين وبين الروح والمادة من خلال الماضي الذي يحدد الحاضر وهو الذي نحياه، وما صار وراءنا يتحدد ما نحن فيه على أساس النظرة العميقة في تصور العالم واشتعال نظريات الصراع والتكلس إلى درجة الاحتراق في رسم الخطوط العريضة للحروب والصدامات المسلحة والشاملة .

كاتب من الإمارات

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"