يبدو أن نموذج الثورة الشعبية السلمية في كل من تونس ومصر لن يتكرر، فالثورة التي انطلقت بدءاً من تونس وامتدت إلى مصر وعدد من الأقطار العربية فيما بدا أنه ربيع الثورات العربية، قد أطلقت العنان للآمال التي تطلعت إلى مستقبل واعد من الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان، وسيادة القانون واستقلال القضاء، والقضاء على الاستبداد والفساد، بعد عهود من هيمنة الأنظمة الاستبدادية الباطشة .
إن نجاح الثورة الشعبية السلمية في كل من تونس ومصر بدا ناجزاً خلال فترة وجيزة، وحقق بعض المطالب الرئيسة، ومن أبرزها سقوط النظام الاستبدادي وتشكل ديمقراطي من خلال الانتخابات، ولكن مثل هذا النجاح وبهذه الصورة الناجزة، غاب عن الثورة الشعبية في أجزاء أخرى من الساحة العربية .
إن الثورة الشعبية في تونس ومصر كانت هي البداية، ومثّلت هذه البداية عنصر مفاجأة، ليس للنظام الاستبدادي فيهما فحسب، بل للقوى الإقليمية والدولية، وكان هذا من أهم عوامل النجاح . إذ بدت هذه القوى مرتبكة في التعامل مع هذا الوضع، بل التبس عليها الأمر، وكانت حركة الحدث أسرع من قراءة تلك القوى لتفاعلاته ونتائجه . وجاء سقوط النظام الاستبدادي فيهما سريعاً رغم استخدام الآلة الأمنية الباطشة وسقوط الضحايا، وآل رموز النظام فيهما إلى المحاكمة .
ولعل الأنظمة الاستبدادية التي واجهتها ثورات شعبية قد حاولت قراءة المشهدين التونسي والمصري قراءة الباحث عن سبيل لتفادي المآل نفسه، وربما اعتقدت أن زيادة وتيرة الآلة الأمنية والعسكرية الباطشة، وإطالة أمد المواجهة إلى أقصى الحدود، سيفضي إلى وضع يجعل النظام جزءاً من الحل، مع أنه أساس المشكلة، وحينما يصبح جزءاً من الحل، يحظى بقدر من الحضور والاستمرار والحفاظ على قدر من المصالح، وهذه كلها تبدو نتائج أفضل له من السقوط والمثول أمام القضاء بتهم ارتكاب جرائم قتل المدنيين أو الفساد وهدر المال العام .
وإذا كان نجاح الثورة الشعبة في تونس ومصر بصورة ناجزة وخلال فترة وجيزة، قد باغت القوى الإقليمية والدولية، كما باغت النظام السابق في كل منهما، وكانت حركة الحدث فيهما أسبق من قراءة هذه القوى لتفاعلاتها ونتائجها، فإنه في الثورات التالية، جاءت وتيرة القبضة الأمنية والعسكرية الباطشة متصاعدة ومستمرة بهدف إنهاك الثورة الشعبية، أو جعلها عرضة للتقلبات والتذبذبات، ومناورات الداخل والخارج، ولهذا لم تحقق سلمياً ما حققته الثورة الشعبية في تونس ومصر من نجاح خلال فترة وجيزة . إن ثورتي تونس ومصر تمثلان الفصل الأول الناجح والناجز للثورة الشعبية السلمية، مع أن هذا النجاح والإنجاز قد يواجه تحديات تحرفه أو تجرفه أو تطمسه .
وهكذا يبدو وكأن الربيع العربي الذي ازدهر في تونس ومصر قد عصفت به رياح عاتية في أجزاء أخرى من الساحة العربية، وإن أثمر في ليبيا بعد مخاض عسير بمشاركة أطلسية، وأثمر جزئياً في اليمن بمبادرة خليجية، حفظت للنظام حضوراً توافقياً، وبدا مختلفاً عن نموذجي تونس ومصر، ودخلت سوريا في مأزق شديد القتامة، ولم يتحقق الإنجاز الرائع الذي تحقق في تونس ومصر . ربما ارتاح النظام الرسمي العربي إلى مثل هذا الوضع الذي يجمّد أو يعلّق أو يؤطّر أو يحرف الثورة الشعبية السلمية بدلاً من السيناريو الذي كان مقلقاً له وهو انتقال نموذج الثورة الشعبية السلمية في تونس ومصر إلى أقطاره متدحرجاً ككرة الثلج، فيفضي إلى ما أفضى إليه في تونس ومصر، حيث سقط النظام الاستبدادي وآل الأمر برموزه إلى المحاكمة .
إن النجاح والإنجاز الذي حققته الثورة الشعبية السلمية في تونس ومصر هو فصل فريد، ويبدو أنه سيظل فصلاً فريداً لن يتكرر في ظل معطيات الواقع ومسار الأحداث، واستجماع الأنظمة لقواها الباطشة، واستنفارها في كل ميدان، وكذلك استدراك القوى الدولية لما فاتها بعيداً عن لبس المفاجأة، فلم تعد المفاجأة حاضرة، وهي قادرة على التعامل مع الحدث وفق ما تمليه عليها مصالحها .
وما تشهده بعض أجزاء الساحة العربية يمثل فصولاً مختلفة كل الاختلاف عن الفصل الناجح والناجز في تونس ومصر، وإذا كان النظام الرسمي العربي سيرتاح لمثل هذا الوضع الذي أوقف امتداد النموذج التونسي والمصري الناجح والناجز للربيع العربي السلمي، فإن القوى الدولية ربما ترتاح أيضاً لمثل هذا الوضع، وهي أصلاً ليست حريصة على ديمقراطية حقيقية، أو تنمية حقيقية على الساحة العربية، وإن ادعت أنها تقدم العون في سبيل ذلك، وتظل البوصلة الحقيقية لتحركها هو مصالحها الاستراتيجية .