الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أوروبا التي لا تريد «الناتو» وتريده!

15 يونيو 2026 01:16 صباحًا | آخر تحديث: 15 يونيو 01:17 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
صمدت العلاقات الأطلسيّة لعقود من الزّمن، الممتدّ على مدى حقبة الحرب الباردة بين الشرق «الاشتراكي» والغرب الرأسماليّ، حتّى لَيكاد أن يكون قد خُيِّل لكلّ من راقبوا أحوال تلك العلاقات أنها ثابتة في سرّائها لا يلْحقها تبدّل أو فساد ولا يشوبُها شوْبٌ أو يعتورها خلل. استمرّ ذلك لجيل كامل (1945- 1990) وَقَر فيه في نفوس الغربيّين (الأوروبيّون منهم على الأقلّ) أنّ الغرب الذي باعدت الجغرافيا بين ضِفّتيْه/قارّتيْه وحدّتْه السياسة والمصالح، ولعلّها دَلَّتْهُ على وحدته الثقافية والحضارية... وربّما الدينية. هكذا، على الأقل، بدا الغرب لنفسه أو لبعضه، ولكنّه هكذا نُظِر إليه - قطعاً - من قِبل أعدائه وخصومه في شرق أوروبا والجنوب.
وراء تلك الحال من «الوحدة» التي بدا الغرب وكأنه يرفَل فيها (وهي محضُ «وحدة» تكتيكيّة انتقاليّة) واقعٌ تاريخيّ وسياسيّ حَمل شريكاها عليها وعلى المُضيّ فيها من غير أن تتهيّأ لها الأسباب العميقة ولا الإرادة الواعية. وليس الواقع الحامل عليها سوى وجود خطر مشترك وداهم يتهدد النظام الرأسماليّ، إبّانئذٍ، هو «الخطر الشّيوعيّ» الذي مثّله الاتحاد السوفييتيّ والمعسكر «الاشتراكيّ». على أن «الوحدة» التي سِيقَ إليها الغربيّون ردّاً منهم على ذلك الخطر، أتت شكليّة في مضمونها السّياسيّ والاقتصاديّ، إلى أبعد حدّ، فما كادت أن تتجاوز نطاقها الأمنيّ والعسكريّ نحو صُوَرٍ منها أرقى.
هكذا أوجدت لنفسها صيغة مؤسّسيّة في إطار «منظّمة حلف شمال الأطلسيّ»، لكنّها الصّيغةُ التي ما من شيء وحدويّ كان فيها لأنها - ببساطة شديدة - بُنيت على قاعدة قيادةِ مركزٍ (أمريكيّ) لهوامشَ أوروبيّة ضعيفة منهكَة من حربٍ خرجت منها مهزومةً للتّوّ (الحرب العالميّة الثّانيّة) وإنْ حَشَرها نظامُ الأمم المتّحدة وسلطةُ العضويّة الدّائمة في مجلس الأمن فيه ضمن زمرة المنتصرين فيها إلى جانب الاتّحاد السّوفييتيّ والولايات المتّحدة.
لقد كان «النّاتو»، دائماً، غطاءً عسكريّاً أمريكيّاً يغطّي أوروبا بحمايته ويفرض عليها شروطه ولم يكن، قطعاً، حلفاً عسكريّاً بين شركاء يتقاسمون الأعباء. حين يُجبر دونالد ترامب، بعد ثلاثة أرباع القرن من وجود «النّاتو»، دولَ أوروبا على زيادة إنفاقها العسكريّ ورفْعِ نسبته من 5% من الإنتاج الإجماليّ، قصد تعظيم مساهمتها في الأعباء الماليّة المتعلّقة بنفقات الدّفاع داخل الحلف
مَرّ حينٌ من الدّهر جرّبت فيه أوروبا الاستقلالَ عن المظلّة الأطلسيّة بكيانٍ خاصّ. خامرتها الرّغبةُ تلك بعد النّجاح في إعادة توحيد شطريْ ألمانيا وقيام «الاتّحاد الأوروبيّ» ثمّ توسيعِه بضمّ دول شرق أوروبا إليه. كانت العولمة قد شرعت، حينذاك، في فرض أحكامها على العالم ومنها الحاجة إلى الاندماج الإقليميّ والقارّيّ في تكتّلاتٍ كبرى قادرة على الحياة... وعلى حِفْظ السّيادات من الاستباحة الخارجيّة واستقلاليّة القرار من المصادَرة. بانهيار الاتّحاد السّوفييتيّ ومعسكره، انتهى الخطر الذي كان يسوِّغ لأوروبا أن تلتئم خلف أمريكا من غير تبرُّمٍ منها بقيود التّبعيّة لها ليُفسح مجالاً لتحسُّسِ قيام خطرٍ جديد، من ذوي القربى هذه المرّة، هو خطر الهيمنة الأمريكيّة على قرار أوروبا رُمَّةً، الهيمنة التي تستَطْرِق إلى التّحقُّق من طريق الولاية العسكريّة والأمنيّة على دول الاتّحاد التي يسمح بها وجود «النّاتو».
اليوم، تكاد أوروبا أن تنسى أنّ الولايات المتّحدة هي من أفشلَ فكرة الجيش الأوروبيّ الموحّد وأبْطلَها حين واجهتها بالاعتراض الصّارم. تنسى ذلك لأنّها تشعر بأنّها غير قادرة وحدها - من دون الولايات المتّحدة - على تحصين أمنها الإقليميّ في مواجهة القوّة الاستراتيجيّة الرّوسيّة الضّاربة التي تخشى من أن تتمدّد إلى عمقها مستطرقةً إليها من أوكرانيا.
ما إنْ حلّت إدارة ترامب محلّ سابقتها، إذْ ما اكتفى ترامب بأن طالبها ب «تقاسُم الأعباء» وصرْفِ مزيدٍ من المال على الدّفاع، ولا اكتفى بتقليص المساعدات لأوكرانيا، بل ذهب إلى حدّ الضّغط عليها للتّفاوض بشروط روسيا على إنهاء الحرب غير آبهٍ بهواجس الأمن الأوروبيّ والموسكوفوبيا السّائدة في أوروبا. هكذا تجد أوروبا نفسها تنقلب من مُطالِبٍ بالاستقلال الدّفاعيّ والأمنيّ عن أمريكا إلى مطالبةِ الأخيرة بحماية أوروبا، من مُطالِب بالتّحرُّر من الهيمنة الأطلسيّة- الأمريكيّة إلى المتمسِّك بها.
abdilkeziz29@ gmail.com

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة