مع الزمن أخذت فكرة تحرير الأسواق بعداً أيديولوجيا متشدداً بعد تبنيها من قبل عديد مراكز القوى الاقتصادية النافذة في الرأسماليات الوطنية المركزية.
في حوالي النصف الثاني من القرن الثامن عشر، وضع طبيب الملك لويس الخامس عشر الدكتور فرانسوا كيناي (1694-1778) لأول مرة الأساس النظري للاقتصاد الرأسمالي القائم على حرية الأسواق المفتوحة. وقدم ذلك من خلال ما أسماه هو وأنصاره بالمذهب الحر أو المذهب الطبيعي، ومفاده بأن هناك نظاماً طبيعياً (Natural order)، يستمد قواعده من العناية الإلهية (Providential order)، التي هي ليست من صنع البشر، وأن هذه القواعد أو القوانين يمكن أن تسري من تلقاء نفسها من دون تدخل الإنسان، وأن أساس النظام في المذهب الطبيعي هو الملكية الفردية، والحرية الاقتصادية، وأن العمل الزراعي هو العمل المنتج الوحيد، والزراعة هي التي تحقق ناتجاً صافياً، بينما الصناعة والتجارة عبارة عن أعمال خدمية غير منتجة. فالأرض في مذهبهم هي مصدر الثروة كلها، ولذا أطلق عليهم أيضاً «الفيزيوقراطيون». وتتويجاً لهذا المذهب الذي ذهبت إليه نظريتهم، فقد وضعوا شعارهم الأساس وهو دعه يمر دعه يعمل:(Laissez Passer, Laissez Fair).
فيما بعد زار آدم سميث فرنسا (في عام 1766) والتقى هناك أصحابَ المذهب الحر أو المذهب الطبيعي، وبعد عشر سنوات من هذه الزيارة (في سنة 1776) أصدر كتابه (بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم)، حيث ضمنه مبدأ أنصار «المذهب الحر/الطبيعي» الأساسي: «دعه يعمل دعه يمر»
(laissez faire laissez passer)، وفحواه، تقليص تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية إلى أضيق نطاق ممكن، وتحرير المعاملات والعلاقات الاقتصادية على أوسع نطاق ممكن بهدف الدفع بعجلة التنمية نحو الأمام، لتصبح بذلك الأسواق حرة تلقائية تحكم نفسها بنفسها. ومع الزمن أخذت فكرة تحرير الأسواق بعداً أيديولوجيا متشدداً بعد تبنيها من قبل عديد مراكز القوى الاقتصادية النافذة في الرأسماليات الوطنية المركزية، لم تستطع كل محاولات أجهزة التسيير الحكومية إعادة طرح النقاش بشأنها من أجل رفدها بالنظم والضوابط المعقلِنة لحركة السوق، إلا بعد أن «وقع الفأس في الرأس»، كما يقول المثل، أي بعد أزمة الكساد العظيم (The Great Depression) التي عصفت بالاقتصاد العالمي في 1929- 1934. حيث جاء الاقتصادي البريطاني جون مينارد كينز (1883-1946) برؤيته الإنقاذية للرأسمالية في عام 1936، من خلال نظريته الشهيرة التي حملت عنوان كتابه المعروف (النظرية العامة في التشغيل والفائدة والنقود)، والذي انتقد فيه النظرية الكلاسيكية التي كانت من المسلمات في ذلك الوقت، والذهاب بعيداً في تأصيله لدور الدولة في إعادة الاعتبار لنواميس وأساسيات عمل محركات وديناميات الاقتصاد، ومنها قوله إن الدولة تستطيع من خلال سياسة الضرائب والسياسة المالية والنقدية أن تتحكم بما تسمى الدورات الاقتصادية.
وقبل أن تُسعف اللحظة التاريخية (أزمة الكساد العظيم) جون كينز وتمنحه الفرصة لطرح نظريته حول ضرورة تدخل الدولة، كضابط إيقاع، في الاقتصاد، كان كينز قد بادر قبل عشر سنوات وتحديداً في عام 1926، إلى نشر مؤلفه «نهاية شعار دعه يعمل» (The End of Laissez-faire) الذي استعرض فيه تاريخ السياسة الاقتصادية التي بقيت تعمل بشعار «دعه يعمل». في هذا الكتاب، فإن كينز، وإن اتفق من حيث المبدأ مع القول والممارسة الذائعين (آنذاك)، بأن حرية حركة الناس في السوق لمتابعة شؤون مصالحهم من دون تدخل الدولة، تتوافر على فرصة أفضل لتطوير الوضع الاقتصادي للمجتمع مما توفره البدائل الاشتراكية، إلا أنه رأى أن للدولة دوراً بناء يجب أن تضطلع به لحماية أفراد المجتمع من المضار السيئة للدورات الرأسمالية، لا سيما البطالة، ونشر المعلومات حول حقيقة الأحوال الاقتصادية، وتشجيع الادخار والاستثمار عبر أقنية وطنية منتجة، ووضع سياسة وطنية حول حجم السكان المناسب... وللحديث صلة.
نهاية «دعه يعمل دعه يمر»
2 يناير 2018 02:08 صباحًا
|
آخر تحديث:
2 يناير 02:08 2018
شارك
د. محمد الصياد