لا أدري من هو الذي شبه علاقة الحب بالنهر، ولكن هذا التشبيه الذي يبدو أنه مستحدث، فتن كتابنا وشعراءنا ودفعهم إلى ممارسة لعبة التداعيات بحيث يندر أن تمسك ديوان شعر أو رواية ولا تجد فيها عبارات من نوع نهر الأحزان أو شلال الضوء وإذا كان فيردي استلهم أروع ألحانه من الدانوب الأزرق فإن هناك من يقول إن الرسالة التي يتحدث عنها عبد الحليم حافظ هي رسالة تحت ماء نهر، لا ماء بحر.

والنهر متصل من منبعه إلى مصبه، كأنفاس العشاق، وهو يبدأ بعد مسافة قصيرة عنيفا قويا ويندفع في شلالات هادرة جارفا في طريقه كل شيء، كالحب عندما يتعرض للتحدي، والنهر، عند المنبع، يكون ضحلا بلا أعماق، كالنظرة والابتسام والسلام في بداية التعارف، ثم يعمق النهر ويستقر وتبدأ أعماقه تمور بالأسرار، وهذا هو الكلام فموعد فلقاء.

وقد تحدث ميخائيل نعيمة عن النهر الذي امتنع عن الهدير، وعندما نظر إلى النيل وجده صفحة ملساء كباطن الكف، ولكنه عميق جدا، رغم أن الناس لا يحسون بأعماقه، كما الحب الكبير في قلوب المصريين، يبدو هادئنا ولكنه يفور بالمشاعر الإنسانية، وفي الأمثال الإنجليزية إن المياه التي تبدو هادئه عميقة الأغوار، ولكنها لا تكشف ذلك، وهذه هي قلوب المحبين الصادقين. وعند المصب يكون النهر موهنا ضحلا، لا عمق له.. وهذا هو الزواج.

وشوقي وصف الحب في بيته المشهور بقوله: نظرة فابتسامة فسلام، فكلام فموعد ولقاء، وتحدث عن منبع النهر ولكنه لم يتحدث عن المصب، أي الزواج، وإلا أكمل شعره ببيت يقول: فملل، فخناقات يومية، وعصبية، وصياح لأن الطبخة ناقصة ملح، أو أي سبب تافه من هذا النوع.

وهناك من يقول إن الحب قد يتخذ أشكالا تنكرية ولكنه يظل حباً، وعندما يصرخ الزوج في زوجته، أو الزوجة في زوجها، تكون في حالة حب. ولكن أحد المحاضرين تحدى جمهوره في إحدى المحاضرات وقال: من كان منكم يحب زوجته فليتفضل بالوقوف فوقف المتزوجون جميعا، وهنا نظر إليهم وابتسم وقال: إنني أقدر ظروفكم الصعبة، فزوجاتكم إلى جواركم.

أبو خلدون

[email protected]