اختتمت، أمس الأول الأربعاء، أعمال قمة «مجموعة الدول السبع» التي عُقدت في منتجع إيفيان الفرنسي والتي سيطرت عليها هواجس الخلافات والتباينات الأوروبية المتصاعدة، وكان السؤال المحوري الذي شغل معظم المراقبين والمتابعين لهذه القمة هو: إلى أي مدى يمكن القول إن الدول الأوروبية أعضاء هذه المجموعة نجحت في استمالة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فيما يتعلق بالقضايا الخلافية بين الطرفين الأمريكي - والأوروبي، وإلى أيّ مدى استطاعت هذه القمة إذابة الجليد المتراكم في العلاقات الأوروبية - الأمريكية، سواء ما يخص ملفي الأمن والاقتصاد، إضافة إلى الملف الأوكراني الذي فجّر أزمة لم تُحل حتى الآن، حول النوايا الأمريكية السلبية إزاء حلف شمال الأطلسي (الناتو).
كان واضحاً أن القادة الأوروبيين، وعلى الأخص الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، كانوا أكثر اندفاعاً نحو «استمالة الرئيس الأمريكي»، وعدم الصدام معه للخروج بنتائج مهمة من القمة، وعلى الأخص بالنسبة لأهم ملفّين فرضا نفسيهما: ملف ما بعد الاتفاق الأمريكي - الإيراني لإنهاء الحرب، والدور الأوروبي في مرحلة ما بعد التوقيع على هذا الاتفاق، وملف الأزمة الأوكرانية، من منظور استعادة الدور الأمريكي لدعم أوكرانيا في مواجهة «الغطرسة الروسية»، أو على الأقل احتواء التقارب الأمريكي - الروسي حول هذا الملف.
الرئيس إيمانويل ماكرون، كان شديد الحرص على تجنيب القمة تكرار سيناريو جنيف السلبي عام 2003، عندما اندلعت أعمال شغب رافضة لانعقاد قمة «مجموعة الدول الثماني» (وقت أن كانت روسيا مازالت عضواً فيها)، وأيضاً تجنيب هذه القمة «سيناريو تورنتو» لقمة مجموعة السبع التي عقدت في كندا، العام الماضي، عندما انسحب الرئيس الأمريكي منها قبل أن تكمل جلساتها، ورفض التوقيع على بيانها الختامي.
هنا بالتحديد، فرض خيار «استمالة» ترامب نفسه بقوة ليس فقط فرنسا فقط، بل على «الترويكا الأوروبية» بأطرافها الثلاثة: فرنسا وبريطانيا وألمانيا، عبر مجموعة من الإجراءات.
أول هذه الإجراءات كان بالطبع ضمان مشاركة ترامب في القمة رئيساً للوفد الأمريكي، وثانيها كان استبعاد
كل الملفات الخلافية بين أوروبا والولايات المتحدة من أجندة هذه القمة مثل ملفات: البيئة، والتصحر الحراري، والرسوم الجمركية الأمريكية. أما ثالث هذه الإجراءات فكان حرص الرئاسة الفرنسية على القيام بتكريم استثنائي للرئيس الأمريكي عنوانه «دعوة لعشاء احتفالي»، في قصر فرساي التاريخي.
الاستمالة الأوروبية للرئيس الأمريكي وصلت إلى درجة «الإفراط»، عندما قام المستشار الألماني فريدريش ميرتس بمفاجأة الرئيس ترامب بهدية «مميزة ورمزية»، بمناسبة عيد ميلاده الثمانين، حيث أهداه قميصاً بألوان المنتخب الألماني لكرة القدم يحمل اسم «ترامب»، والرقم «47»، الذي يشير إلى أن ترامب هو الرئيس ال 47 للولايات المتحدة.
اللافت في هذه الخطوة أن ترامب تلقى الهدية ب«سلبية»، حيث لم يقم من مقعده لتسلمها، وفق ما هو متبع، واكتفى بمصافحة ميرتس قبل أن يعاود التركيز سريعاً في مجريات الاجتماع، الأمر الذي يكشف أن ترامب لم يتسامح بعد مع الانتقادات اللاذعة التي سبق أن وجّهها ميرتس للسياسة الأمريكية وإدارتها للأزمة مع إيران، وأن خطة، أو مشروع «الاستمالة» لم يحقق أهدافه، بدليل حرص ترامب على تحدي السياسة الأوروبية في الملفين الرئيسيين لهذه القمة: الملف الإيراني والملف الأوكراني.
فقد تصدى ترامب للرغبة الأوروبية للعودة إلى الملف الإيراني، وجولات التفاوض القادمة على غرار مشاركتهم السابقة في مفاوضات مجموعة «5+1» التي أنجزت اتفاق عام 2015 في عهد الرئيس باراك أوباما، حيث أحبط ترامب مبادرة فرنسا وبريطانيا لإقامة «تحالف بحري» دفاعي ومستقل، لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز. ترامب كان حريصًا على النأي بأوروبا عن هذا الملف وفرض الاستئثار الأمريكي به. كما أغلق الأبواب أمام أوروبا للتدخل في الملف الإيراني تحت دعوى «الحاجة إلى اتفاق قوي مع إيران»، بدفاعه عن الاتفاق الذي أنجزه وقوله أنه «ليس مثل وثيقة أوباما.. كانت تلك وثيقة سيئة للغاية».
إحباطات أمريكية للأوروبيين تكشف حقيقة فشل مخطط استمالة ترامب، الأمر الذي يعيد مجدداً طرح سؤال: أيّ مستقبل ينتظر العلاقات الأوروبية - الأمريكية؟.
