يمر العالم اليوم بتحولات كبيرة وخطرة، فالحرب الروسية الأوكرانية باتت تتحول إلى صدام شامل بين روسيا والاتحاد الأوروبي، كما أن الحرب في الشرق الأوسط قد توقفت بسبب الخوف من حدوث ارتدادات سلبية كبيرة على الاقتصاد العالمي، ومن غير المعروف ما إن كان سيتم تجديدها أم لا، لكن الواقع العالمي بات يميل إلى عدم الاستقرار، وبات أكثر قرباً من الصدام الدولي الواسع.
وقد كانت مجموعة السبع الكبرى، ولا تزال، تعمل على المحافظة على التوازن الاقتصادي في العالم، فهي تجتمع بشكل دوري من أجل متابعة الشؤون الدولية، واتخاذ القرارات في القضايا المطروحة، في الوقت المناسب.
وعلى وقع الأحداث الخطرة، التي جرت وتجري في العالم، فقد اجتمعت مجموعة السبع الكبرى، يوم الاثنين الماضي، في منتجع «إيفيان» في فرنسا، لمناقشة الحرب في أوكرانيا، ونتائج الحرب في الشرق الأوسط، حيث عملت دول المجموعة (كندا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، واليابان، وبريطانيا، والولايات المتحدة)، على صياغة فهم مشترك للوضع الدولي الراهن ووضع استجابات مشتركة وتعاونية للتحديات الحاصلة في سياق دولي متقلب، ويتسم بتزايد الصراع وتفاقم الاختلالات الاقتصادية العالمية.
وقد حضر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، أعمال هذه القمة، لما أصبحت تمثله دولة الإمارات العربية المتحدة من ثقل سياسي واقتصادي، إقليمي وعالمي، جعلها تقف على سوية واحدة مع مختلف الدول الكبرى، في الغرب والشرق. كما أضحت تشارك في القمم التي تضم الدول الكبرى والمؤثرة في العالم، على الرغم من أنها ليست عضواً في المجموعة، لكنها تشارك في قمم المجموعة «كدولة ضيف»، بشكل مستمر، وفي العام الماضي، وجهت جمهورية جنوب إفريقيا دعوة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة للمشاركة في أعمال قمة المجموعة في جوهانسبرغ، وقد جاءت هذه الدعوة لتؤكد الدور المحوري والريادي لدولة الإمارات، وبما يعكس المكانة المتقدمة التي أصبحت تحظى بها على الساحة العالمية، وبما يؤكد أيضاً ثقة المجتمع الدولي برؤيتها التنموية، وقدرتها على الإسهام في صياغة حلول فعّالة للتحديات المشتركة.
وعلى مدار تاريخ دول مجموعة السبع، الذي يمتد لخمسين عاماً، فقد واجهت دول المجموعة تحديات اقتصادية ذات خلفيات سياسية، ولم يكن الاتحاد السوفييتي السابق معنياً بقضايا هذه المجموعة، لأنه كان دولة شيوعية، ولديه مفاهيم حول وسائل الإنتاج والملكية، مختلفة عن الفهم الغربي لها. وكانت الصدمة النفطية التي حدثت بسبب قيام الدول العربية بقطع النفط عن الدول الداعمة لإسرائيل، في حرب أكتوبر 1973، قد استنفرت دول العالم الرأسمالي الذي كانت تقوده الولايات المتحدة آنذاك، من أجل إيجاد حلول عاجلة لارتفاع أسعار النفط التي صارت تنعكس سلبياً على القدرة الإنتاجية في تلك الدول. وقد اجتمع رؤساء دول وحكومات الدول الصناعية الست الكبرى، لأول مرة عام 1975، لمناقشة الاقتصاد العالمي، وكانت فكرة الاجتماع الأول مبادرة من الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان، والمستشار الألماني هيلموت شميدت، في عام 1975، اللذين دعيا الدول الصناعية المتقدمة إلى عقد قمة لمناقشة صدمة النفط، والأزمة المالية، وسبل الخروج من الركود. وقد اجتمع في قصر رامبوييه، قرب باريس. رؤساء دول وحكومات فرنسا، وألمانيا الغربية، والولايات المتحدة، واليابان، وبريطانيا، وإيطاليا. واعتمدت الدول المجتمعة بياناً من خمس عشرة نقطة، عُرف باسم إعلان رامبوييه، واتفقت هذه الدول على الاجتماع سنوياً برئاسة دورية. وفي عام 1976، انضمت كندا إلى المجموعة، التي عُرفت فيما بعد باسم مجموعة السبع. ثم انضمت روسيا.
وبعد ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، قررت دول مجموعة السبع عقد اجتماعاتها من دونها. ولاتزال روسيا خارج هذه المجموعة، فقد قال الرئيس الروسي بوتين، خلال زيارته للهند، العام الماضي: «إن بلاده لا تسعى إلى الانضمام مجدداً إلى مجموعة السبع للدول الصناعية الكبرى». وأضاف:«إن حصة مجموعة السبع في الاقتصاد العالمي تتقلص منذ أعوام».
وقد أسهمت قمم مجموعة السبع، مجتمعة، في صياغة السياسات العالمية، وتحقيق الاستقرار المالي الدولي على مدى العقود الخمسة الماضية، لكن وقوع الولايات المتحدة تحت سطوة الديون، واستنزاف ثروات دول أوروبا الرئيسية في الصراع الدائر في أوكرانيا، وتراجع قوة اليابان الاقتصادية من جراء ظهور منافسين أقوياء لها في الشرق الأقصى، وأيضاً فإن صعود الصين ووصولها إلى مستوى القوة العالمية التكنولوجية العظمى وتحالفها الراسخ مع روسيا وسعي هاتين الدولتين إلى تغيير المعادلات الدولية القائمة، فإن كل ذلك أدى إلى تراجع دور المجموعة في تحقيق الاستقرار المالي، كما أنه أضعف من قدرتها على التأثير في الاقتصاد الدولي.
لكن، على الرغم من كل ما سبق، فإنه لا يمكن الاستهانة بدول المجموعة التي لاتزال تملك الكثير من أوراق القوة، خصوصاً أنها دول صناعية راسخة، ولديها قدرة كبيرة على التأثير في القرار العالمي.
