الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

الاتفاق الذي قد يغيّر إيران.. ويختبر الخليج

20 يونيو 2026 00:17 صباحًا | آخر تحديث: 20 يونيو 00:18 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
بعد سبعة وأربعين عاماً تقريباً من مغادرة الخميني ضاحية نوفل لو شاتو قرب باريس عائداً إلى طهران لإعلان قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يعود اسم باريس ليتصدر مشهداً إيرانياً آخر لا يقل أهمية.
فمن العاصمة الفرنسية تم إعلان التوصل إلى الاتفاق الأمريكي الإيراني، فيما كان الرئيس الأمريكي موجوداً في قصر فرساي، ذلك المكان الذي ارتبط في الذاكرة السياسية العالمية بلحظات أعادت رسم النظام الدولي، فمنذ أكثر من قرن، شهدت فرنسا توقيع الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون على الترتيبات التي أنهت الحرب العالمية الأولى وفتحت الباب أمام مرحلة سياسية جديدة في العالم.
وربما تكمن المفارقة هنا في أن باريس التي شهدت ولادة الجمهورية الإسلامية عام 1979 قد تشهد اليوم بداية أحد أكبر التحولات التي مرت بها منذ ذلك التاريخ
ما يجعل السؤال الذي يشغل بال الكثيرين هو: هل يمثل هذا الاتفاق بداية «نهاية» النسخة التي عرفها العالم من الجمهورية الإسلامية الإيرانية طوال العقود الخمسة الماضية؟
قد يكون من المبكر الإجابة عن هذا السؤال، لكن المؤكد أن الاتفاق الذي أنهى واحدة من أخطر المواجهات التي شهدتها المنطقة منذ عقود لا يمثل مجرد وقف لإطلاق النار، بل يفتح الباب أمام إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في الخليج والشرق الأوسط بأكمله.
بعيداً عن الضجيج الإعلامي، تكشف قراءة البنود المتداولة للاتفاق حقيقة مهمة وهي أن لا الولايات المتحدة حققت كل ما أرادت، وأن إيران ما خرجت بما كانت تطمح إليه بالكامل، وفي المقابل دخلت المنطقة كلها مرحلة مختلفة عما قبل الحرب.
لكن إيران حصلت على بعض ما كانت تسعى إليه منذ سنوات، من تخفيف العقوبات، وإعادة دمج اقتصادها في النظام المالي العالمي، وفتح أبواب الاستثمار والتجارة، واستعادة جزء مهم من قدرتها على تصدير النفط والتحرك اقتصادياً... وفي المقابل، فإن الولايات المتحدة حصلت على وقف الحرب، وإعادة فتح مضيق هرمز، وإخضاع الملفات العالقة لمسار تفاوضي ورقابي طويل الأمد.
لكن الأهم من المكاسب المباشرة هو ما يكشفه الاتفاق من تحول أعمق، فالدولة التي بنت جزءاً كبيراً من شرعيتها السياسية على فكرة المواجهة المستمرة مع ما يسميه «الشيطان الأكبر»، تجد نفسها اليوم أمام اتفاق يجعل مستقبلها الاقتصادي مرتبطاً إلى حد كبير بالنظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، وهذه ليست هزيمة عسكرية، لكنها تعكس تحوّلاً يصعب تجاهله في طبيعة العلاقة التي حكمت الطرفين منذ خمسة عقود تقريباً.
أما من زاوية خليجية، فيبدو أن هناك بنوداً تستحق الترحيب بلا تردد، فإعادة فتح مضيق هرمز، وعودة الملاحة التجارية، ووقف العمليات العسكرية، كلها تطورات تصب مباشرة في مصلحة دول الخليج التي كانت الأكثر تعرضاً لتأثيرات الحرب الاقتصادية والأمنية، فدول الخليج ليست مجرد مراقب لما يجري في هرمز، بل هي الطرف الذي يعتمد اقتصاده واستقراره ومستقبل مشاريعه التنموية على أمن هذا الممر الحيوي.
كما أن إنهاء الحرب يزيل خطراً حقيقياً كان يهدد المنطقة بأكملها، فقد أثبتت الأشهر الماضية أن أي مواجهة واسعة بين الولايات المتحدة وإيران، أو بين إيران وإسرائيل، لا تبقى محصورة بين أطرافها المباشرين، بل تمتد آثارها سريعاً إلى أسواق الطاقة، وحركة التجارة، والاستثمار، وسلاسل الإمداد، وأمن الممرات البحرية.
ولهذا السبب، فإن أي ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة لا يمكن أن تنجح إذا تعاملت مع دول الخليج باعتبارها مجرد ساحة تتأثر بالأحداث، لا شريكاً في صنعها.
في المقابل ذلك الترحيب، هناك بنود في الاتفاق تستدعي الحذر، فالحديث عن ترتيبات مستقبلية لإدارة الملاحة والخدمات البحرية في مضيق هرمز يطرح أسئلة مشروعة حول شكل النظام الأمني الذي يجري بناؤه في المنطقة، فمضيق هرمز ليس ملفاً إيرانياً أمريكياً، بل شريان استراتيجي يخص جميع الدول المطلة على الخليج والعالم بأسره.
كما أن أحد الأخطاء التي يجب ألا تقع فيها المنطقة هو الاعتقاد بأن الاتفاق الأمريكي الإيراني، مهما كانت أهميته، يمكن أن يحل محل العمل الخليجي المشترك، فالتجربة أثبتت أن القوى الكبرى تتحرك وفق مصالحها المتغيرة، وأن الاتفاقات الدولية قد تتبدل بتغير الإدارات والظروف، أما الجغرافيا فلا تتغير.
والواقع يقول إن إيران ستبقى الجار على الضفة الأخرى من الخليج. والولايات المتحدة ستبقى لاعباً مؤثراً، أما دول الخليج فهي الثابت الوحيد في هذه المعادلة، وهي قادرة على التعامل مع الاتفاق، لكن التحدي أمامها فسيكون كيفية استثمار المرحلة الجديدة لبناء قوة خليجية أكثر تماسكاً وقدرة على حماية مصالحها.
قد يكون الاتفاق الأمريكي الإيراني بداية جيدة للمنطقة، وقد يكون فرصة حقيقية لخفض التوتر وإعادة توجيه الموارد نحو التنمية بدلاً من الصراع، لكنه يتطلب أقصى درجات الحذر، ونجاحه سيقاس بمدى قدرته على إنتاج نظام إقليمي أكثر استقراراً واحتراماً لسيادة الدول.
أما بالنسبة لدول الخليج، فإن الدرس الأهم ربما يكون واضحاً أكثر من أي وقت مضى وهو أن لا أحد سيهتم بأمن الخليج واستقراره وازدهاره بقدر أبناء الخليج أنفسهم.
MEalhammadi@
كاتب صحفي

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة