أراد صاحب المخطط القرمزي أن يرسم صورة أخرى لأبي عبدالله الصغير، آخر ملوك بني الأحمر الذي سقطت غرناطة في عهده.
الحكاية الأثيرة عن انهيار هذا الملك العربي الأخير في الأندلس التي صورته باكياً بحرقة ومرارة وهو يغادر قصر الحمراء، والعبارة المقرعة الموجعة التي نُسبت إلى أمه وهي تراه باكياً: ابكِ كالنساء ملكاً لم تحافظ عليه كالرجال، قدمت هذا الرجل في صورة المستسلم الذي لم يحسن الدفاع عن المدينة.
صاحب المخطط القرمزي الذي تخيل أنه قرأ يوميات أبي عبدالله الصغير، فيما كانت غرناطة تحاصر، سعى ليقول أمراً آخر مختلفاً عنه، كأنه يأخذنا إلى السؤال: هل كان بوسع مدينة ساقطة حكماً من وجهة نظر عسكرية أن تقاوم، فيما أهلها يُدركون أن هذه المقاومة لن تؤول إلى نصر، بل إلى مزيد من الخسائر؟
مؤلفة أسبانية الجنسية، شأنها شأن مؤلف المخطط القرمزي، وضعت كتاباً عن الموريسكيين الأندلسيين جمعت فيه كل ما وقع تحت يديها من وثائق تتصل بهذه المسألة، بهدف وضع قاعدة بيانات لتقصي أحوال العرب والمسلمين الذين ظلوا في الأندلس بعد سقوط الحكم الإسلامي فيها.
وهو بالمناسبة ذات الموضوع الذي عالجته الدكتورة رضوى عاشور في ثلاثيتها عن الأندلس: غرناطة، مريمة، الرحيل التي انهمكت فيها بتقصي أحوال هؤلاء، مبتعدة عن لحظة التوتر الدرامي القصوى المتمثلة في سقوط الأندلس، لكي تقاربها من زاوية نظر أبعد بعض الشيء، ربما عملاً بالقاعدة القائلة إننا نستطيع رؤية الحدث بصورة أفضل كلما طالت المسافة الزمنية التي تفصلنا عنه.
من بين الوثائق التي نشرتها المؤلفة الأسبانية مرثيدس غارثيا أرنيال اتفاقية تسليم غرناطة. والقارئ المتمعن لبنود هذه الاتفاقية يمكن أن يرى الوجه الآخر، لعله الوجه الحقيقي لأبي عبدالله الصغير، الذي يظهره كمفاوض كفء وصلب في ظل ميزان قوى مختل لغير صالحه.
وبوسع الدارس الفاحص أن يعقد مقارنة بين الطريقة التي تفاوض ووقع بها بعض المفاوضين العرب في زمننا، الذين بصموا على أفخاخ، وبين الوثيقة التي وقعها أبو عبدالله الصغير قبل أكثر من خمسة قرون، ومن موقع الهزيمة، ليلاحظ الفروق.
العودة إلى الوثائق التاريخية المتصلة بالشأن الأندلسي، ضرورية من أجل ألا تتواتر الروايات التاريخية الخاطئة، وأن يصار إلى تدقيق الوقائع من مصادرها.