وعي النشطاء السياسيين والفاعل الإنساني

04:04 صباحا
قراءة 3 دقائق

تقدم جماعة سياسية ثقافية تربط بين أعضائها شبكة من العلاقات الفكرية المتماسكة مثالاً للأدوار المجتمعية، حيث تقوم على تجانس سياسي وتوافق أيديولوجي، وتوفر لهم القدرة على تشكيل رؤية شمولية لواقع أمتهم وطموحاتها، الأمر الذي يجعلهم في حال تفاعل دائم مع القيم المركزية لمجتمعاتهم، وتعمل أيضاً من أجل كفّ الشعب الأقوى عن الاعتداء على الشعب الأضعف، والتزام الأقوياء هذا الكفّ كقانون دولي يلتزم به الجميع ولا يُسمح لأحد أن يتجاوزه، هذا التغيير النوعي هو انتصار للوعي السياسي الحاضر والسياسات التي تواكب الزمن المتغير .

هذه الجماعة السياسية تقوم بدور جوهري في المجتمع الأمريكي، وفي التأثير في سياسات الولايات المتحدة، وخلال العقد الأول من القرن ال ،21 طرح أعضاؤها آراءهم محذرين أبناء شعبهم من مخاطر السياسات الأمريكية الراهنة في أفغانستان وفلسطين والعراق . وللسير بهم إلى بر الأمان اقتداء بالمؤسسين الأوائل الذين قدموا إسهامات جليلة في حماية الأمة الأمريكية من أي نوع من الطغيان، قام هؤلاء النشطاء بوضع ملصق دعائي مناهض لجرائم الحرب الإسرائيلية على حافلات في ولاية واشنطن، يتضمن عبارة جرائم الحرب الإسرائيلية: إلى هناك تذهب ضرائبكم، وتزامنت هذه الحملة مع الذكرى الثانية للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في 27 ديسمبر/ كانون الأول ،2008 وينتقد هؤلاء النشطاء بشدة سياسة كيان الدولة الصهيونية وأساليبها في الاحتلال، وينبّهون الشعب الأمريكي إلى ما يرتكبه الصهاينة من شناعات وحشية ضد الشعب الفلسطيني . وقام هؤلاء النشطاء بتحرك يوم الثلاثاء الموافق 19/7/2011 على سفينة الكرامة الفرنسية المتجهة إلى قطاع غزة في محاولة لكسر الحصار المفروض عليه، والتي حاصرتها القوات البحرية الإسرائيلية بعد أن سيطرت عليها في المياه الدولية واعتقلتهم جميعاً في عرض البحر من دون مراعاة للنداءات الإنسانية التي طالبت السلطات الإسرائيلية بأن تتصرف بمسؤولية وضبط النفس واحترام حقوق رعايا هذه الدول على متن هذه السفينة .

وتعد تحركات هؤلاء النشطاء السياسيين نتيجة حتمية في أعقاب ما شهده العقد 2001-2010 من تحولات نحو سياسات وممارسات مقلقة على الصعيدين الداخلي والخارجي في الولايات المتحدة، أثّرت بدورها تأثيراً كبيراً في نفوسهم، ليقولوا إن الأمة الأمريكية لن تسقط وليمنعوا قادتهم من الانجراف نحو الأيديولوجيا المعادية لمبادئ الديمقراطية . وانتقدوا معيشة الأمريكيين في ظل قوانين لم يقرها ممثلوهم، فتوقيع البيانات يجعل الرئيس الأمريكي السابق بوش فوق القانون، حيث كانت الصلاحيات الممنوحة له في توقيع البيانات غير مسبوقة، ما جعل دور الكونغرس استشارياً، وأدى سوء استعمال الصلاحيات إلى أن يختار الرئيس القوانين التي يرغب فيها ليفعّلها أو يلغيها مهيمناً بذلك على الكونغرس والشعب . وفي سبتمبر/ أيلول ،2006 أقر الكونغرس مشروع التفويض الدفاعي لعام 2007 الذي بموجبه يحق للرئيس أن يعلن الأحكام العرفية في البلاد، وبذلك يستحوذ على جزء من سلطة حكام الولايات على وحدات الحرس الوطني في كل ولاية . كما شهدت تلك الحقبة بناء السجون السرية التي انتقدها النشطاء السياسيون، لأن من شأنها أن تؤدي إلى جحيم من المخاطر كتفشي العنف والتعذيب، وكان من أبرزها سجن غوانتانامو الذي يعد جريمة القرن ال 21 لوزارة الدفاع الأمريكية التي تحرّمها قانونياً اتفاقيات جنيف، بعد أن توصل النشطاء السياسيون إلى معلومات تفيد أن معظم السجناء كانوا من الأبرياء الذين أسرهم أمراء الحرب من تحالف الشمال في أفغانستان بشكل عشوائي للحصول على مكافآت قيمة من القوات الأمريكية، وسلطوا الضوء على معاناة هؤلاء السجناء وتعرضهم لأنواع شتى من العذاب والاستجواب والحرمان حتى من الوجبات الغذائية .

واستهدى النشطاء السياسيون أيضاً بما صرح به جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي، بأنه يشعر بأمل كبير في رؤية العراق يتولى الحفاظ على أمنه، إلا أنه أبدى أسفه وندمه لاجتياح البلاد عام 2003 بقرار من إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش . وتساءل هل كان الأمر يستحق 4439 قتيلاً في صفوف الجنود الأمريكيين؟ وهل كان يستحق جرح 32 ألف شخص من بينهم 16 ألفاً سيحتاجون إلى الرعاية الدائمة؟ وحده التاريخ يحمل الجواب، لكن لو قدر لنا العودة إلى الوراء، لربما ما كنا لنفعل ذلك .

النشطاء السياسيون الأمريكيون والأوروبيون يواصلون نضالهم من أجل الحضارة الغربية وإنقاذ ديمقراطيتهم، وهم يمتلكون قنوات التواصل مع كل الشعوب الحرة والأطياف السياسية والمنظمات الإنسانية حتى يواجهوا الذين يرتكبون جرائم بحق الإنسانية، وسيقدمون التضحيات من أجل تحطيم المراحل السابقة التي أفرزت الطغاة، وصناعة الفرد الديكتاتور الحاكم سواء كان فرداً أو حزباً، وذلك من أجل وقف الظلم والاستعباد وانتهاك الحريات والاستهتار الصريح بالميثاق العالمي لحقوق الإنسان، بل وبجميع المبادئ التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة .

كاتب من الإمارات

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"