لم يترك الإسلام وسيلة لتعمير الأرض والارتقاء بها للاستفادة من خيراتها إلا وأمر بها وحث عليها، من أجل خير الإنسان والحيوان، ولكي تتحقق التنمية الشاملة التي يعود نفعها على الجميع، فالأرض هي مصدر معظم الخيرات وعلى الإنسان أن يتعامل معها بكل ما يرقى بها وييسر خيراتها له ولغيره من الناس. والإسلام في رعايته للأرض لتحقيق الخير للإنسان ولفتح فرص جديدة له ليعيش حياة طيبة مستقرة كلها أمل وتفاؤل له وسائل وأدوات من بينها «إحياء الموات»، وهو اختراع إسلامي يحول الأرض من صحراء جدباء إلى أرض خضراء منتجة..
العالم الأزهري د. حامد أبو طالب - أستاذ الشريعة الإسلامية، عضو مجمع البحوث بالأزهر - يؤكد أن تعاليم شريعتنا الإسلامية تقود المسلم إلى تعمير الأرض والانتفاع منها، بما يعود على الناس جميعا بالخير، موضحا أن توجيهات ديننا العظيم تدفعنا إلى الاستغلال الأمثل لكل قطعة أرض بالزراعات النافعة، وبالثمار المفيدة، بما يحقق الاستثمار الأمثل للمجتمع كله، وليس لصاحب الأرض وحده، فقد تكون منفعة صاحب الأرض تركها بلا انتفاع لكي يرتفع سعرها ثم يبيعها ويجني من ورائها الربح الكبير، لكن الإسلام يتدخل هنا ويدفع إلى المصلحة العامة للمجتمع التي قد تتمثل في تعميرها بالزراعة أو سرعة إقامة المنشآت السكنية أو الصناعية أو التجارية التي تعود بالنفع على المجتمع.
حماية الأرض الزراعية
ويؤكد د. أبو طالب عدم جواز إهدار الأرض الزراعية المنتجة في مبان لا طائل من ورائها ولسنا في حاجة إليها، فالأرض الصالحة للزراعة والمنتجة لا يبنى عليها إلا عند الضرورة، ومن هنا لا يجوز تبوير الأرض وإفساد صلاحيتها للزراعة من أجل المتاجرة بها.. كما لا يجوز اكتناز الأرض بلا استغلال جيد بهدف رفع سعرها وبيعها لتحقيق أرباح طائلة من ورائها.
وهنا يتدخل د. إبراهيم نجم - مستشار مفتي مصر - ليؤكد صدور فتوى من الإفتاء المصرية تؤكد أن التعدي على الأراضي الزراعية بالبناء فيها لا يجوز شرعا؛ لأن ذلك يؤدي إلى ضرر عظيم، قد يهلك به الإنسان والحيوان.. مشيرا إلى أن إفساد صلاحية الأرض للزراعة هو عكس مراد الشرع الذي حث على الزرع والغرس، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول في حديث صحيح: «ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة» ويقول عليه الصلاة والسلام: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها».
وردت الفتوى على من يدعي أنه إنما يبني في ملكه وأرضه الخاصة، بأن هذا الأمر يؤدي إلى ضرر عام بالمجتمع، وما يؤدي إلى ذلك فهو حرام، ولو تضرر صاحب الأرض من عدم البناء وجب عليه أن يتحمل الضرر الأصغر مقابل دفع الضرر الأكبر.. وأوضحت الفتوى أن للحاكم حق تقييد المباح للمصلحة العامة، فإذا منع ولي الأمر البناء على الأراضي الزراعية فله ذلك.
من أحياها يمتلكها
وهنا علينا أن نتدبر نصا قرآنياً كريماً يوضح لنا قيمة الأرض التي أنعم الله بها علينا، حيث يقول الحق سبحانه: «والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج. تبصرة وذكرى لكل عبد منيب. ونزلنا من السماء ماء مباركاً فأنبتنا به جنات وحب الحصيد. والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقاً للعباد وأحيينا به بلدة ميتاً كذلك الخروج».
أي أن الأرض التي نعيش فيها قد مدها الله وبسطها لنا بقدرته، وثبتها لنا بالجبال، وأنبت في هذه الأرض أنواعاً كثيرة من الثمار اللذيذة والنباتات الجميلة، والزروع التي هي من الضرورات لطعامنا وشرابنا، وفعل سبحانه كل ذلك لنعتبر ونتعظ ونقوم بواجباتنا على هذه الأرض وفق ما رسم وحدد لنا خالقنا.
والنبي عليه الصلاة والسلام يبشر كل من يعمر الأرض بالزراعات التي ينتفع بها الإنسان والحيوان والطير، في توجيهات نبوية عديدة، كما أنه يحث على إحياء الأرض الموات - أي استصلاحها وزراعتها - فيقول: «من أحيا أرضا ميتة فهي له ليس لعرق ظالم حق»، أي من أحيا أرضا ليست مملوكة لأحد، وهذه الأرض جدباء لا تصلح للزراعة فأصلحها وهيأها للانتفاع بها في الزراعة وغيرها فهذه الأرض تعد ملكا له. وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام: «من أعمر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها». أي من حوّل أرضا ليست مملوكة لأحد من الخراب إلى العمار، ومن الجدب إلى الخصب، فهي له.. فهذه النصوص الشريفة كلها تدعو - كما يقول عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر - إلى إعداد الأرض وتهيئتها للزراعة أو الصناعة، أو لغير ذلك مما ينفع الناس ويعود عليهم بالخير والبركة والقوة والرخاء.
اختلافات فقهية
لكن.. ما الأرض الموات التي حثنا على إحيائها وتعميرها ورعايتها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
يقول د. أبو طالب: الأرض الموات هي البعيدة عن العمران والتي لا ينتظر أن تكون مرفقاً من مرافقه الحالية أو المستقبلية، ويرجع الحكم في ذلك إلى الأجهزة المسؤولة في الدولة، أو إلى أهل الخبرة من المهندسين ومن على شاكلتهم في التحديد والتنظيم إذا تركت الدولة الأمر لمواطنيها في الاستصلاح والتعمير من دون إذن وهذا في الاغلب لا يحدث.. ويشترط في الأرض الميتة التي لم يسبق تعميرها أن تكون غير مملوكة لأحد.
وأوضح الفقهاء أن إحياء الأرض هو السبب في ملكيتها، إلا أنهم اختلفوا في ملكيتها، هل تكون بإذن ولي الأمر أم بغير إذنه؟ فقال بعضهم: إن إحياء الأرض الموات سبب لملكيتها، ولا حاجة إلى إذن الحاكم في هذه الملكية، فمن عمرها صار مالكاً لها من غير إذن الحاكم لقوله - صلى الله عليه وسلم -»من أحيا أرضا ميتة فهي له».. وقال آخرون: إن إحياء الأرض سبب لملكيتها لكن بشرط أن يأذن ولي الأمر بذلك ويقر هذا الإحياء لتلك الأرض.
وقال فقهاء آخرون: إذا كانت هذه الأرض الميتة بعيدة عن العمران فهي لمن أصلحها ولا تحتاج إلى إذن الحاكم.. أما إذا كانت على مقربة من العمران، فهي تكون لمن أصلحها بعد إذن ولي الأمر.
وقال الفقهاء: من أحيا أرض غيره ظاناً أنها ليست ملكاً لأحد، ثم جاء رجل آخر فأثبت أنها ملك له، ففي هذه الحالة من حق من أثبت أن تلك الأرض ملك له أن يستردها بعد أن يؤدي إلى من أحياها الأموال التي أنفقها عليها، أو أن يتركها له بعد أن يسترد ثمنها منه، وفي الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم فيه حق».. والمراد بالعرق هنا (الزرع).. ومعنى الحديث: من أحيا أرضاً ميتة فهي ملك له، وليس لأي إنسان استغلها أي حق فيها، متى كان استغلاله لها بأي لون فيه ظلم أو مخالفة للحق والعدل.
تيسير الاستصلاح
ولذلك يطالب عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الأجهزة التنفيذية في الدول العربية والإسلامية بتيسير استصلاح الأرض وتشجيع الشباب على ذلك، خاصة أننا نعاني البطالة وقلة فرص العمل واستيراد معظم غذائنا من خارج ديارنا، ويقول: لدينا ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة ولا تحتاج إلا إلى تشجيع الشباب على استصلاحها واستثمارها وهذا سيعود بالنفع على أوطاننا كلها.
وعن موقف الشرع من اكتناز الأرض أو ما يطلق عليه ( تسقيعها)، أي تركها مهملة بلا استصلاح وبلا استثمار لسنوات طويلة حتى يرتفع ثمنها، يؤكد عضو مجمع البحوث في الأزهر رفض الشريعة الإسلامية هذا السلوك لأن فيه استغلالاً وتفويتاً لفرص التنمية والاستثمار، وإن كان البعض يجيزه نظرا لأنه ليس اكتنازا للأقوات، لكن نرى أن الأولى بمن يمتلك هذه الأرض أن يستثمرها في الزراعة أو أي مشروع آخر فإذا ما استثمرها أو استغلها استغلالا مفيدا ثم باعها بعد سنوات بأضعاف ثمنها فهذا رزق حلال ولا حرمة في ذلك، فالإسلام يحثنا على الانتفاع بكل ما تحت أيدينا من أموال وممتلكات لتعم فائدة ذلك على المجتمع كله.
إبداع إسلامي
د. نادر نور الدين - الأستاذ في كلية الزراعة بجامعة القاهرة - يؤكد ضرورة الاستفادة بالتوجيهات الإسلامية لتعمير الأرض والحفاظ عليها من دون تخريب أو إفساد وحمايتها من السلوكات العشوائية التي تضر بالمجتمعات العربية والإسلامية.
ويقول: الإسلام نشر سياسة «إحياء الموات» التي أبدع فيها المسلمون في الماضي وكانت سبباً في تحقيق التنمية الزراعية والاقتصادية في بلادهم وتوفير الأمن الغذائي لكل إنسان.. وهذا الدين العظيم له توجيهات وتعاليم تحث على الارتقاء بالأرض وتنميتها وتيسير الاستفادة منها، وهذا ما ينبغي أن يدعو إليه دعاة الإسلام وخطباء المساجد في كل مكان.
ويضيف: نحن في العالمين العربي والإسلامي نمتلك مساحات شاسعة صالحة للزراعة ولم تمتد إليها أيادي الإصلاح والتعمير حتى الآن، في الوقت الذي تتضاعف فيه طوابير العاطلين القادرين على العمل والإنتاج، وهذا يفرض علينا اتباع أي وسيلة تحقق استثمار الأرض لتوفير فرص عمل للشباب العاطل، ثم لتحقيق هدف آخر وهو دفع الشباب والجمعيات الزراعية المتخصصة في الإصلاح إلى تعمير الأرض الجدباء وزراعتها بالمحاصيل الزراعية الأساسية التي نحتاج إليها للمساهمة في تحقيق الأمن الغذائي الذي نتطلع إليه، فنحن نستورد أكثر من نصف غذائنا رغم قدراتنا وإمكاناتنا الزراعية.
وهنا يؤكد د. نور الدين حاجتنا في الدول العربية إلى كل فدان يضاف إلى الرقعة الزراعية.. ويقول: من العبث أن نترك أولادنا بلا عمل يقتلهم الفراغ وتدفع بهم الحاجة إلى الهاوية ولدينا هذه المساحات الشاسعة من الأرض لا نعرف كيف ولا متى سنستفيد منها؟
وينتهي د. نور الدين إلى أن الإسلام أولى التنمية الزراعية اهتماماً كبيراً وأن بلادنا العربية التي تحتاج إلى استغلال كل شبر صالح للزراعة، وإلى تشغيل كل العاطلين القادرين على الإنتاج الزراعي، مؤكداً أن التنمية الزراعية هي أساس التنمية الصناعية، وهي العمود الفقري للأمن الغذائي ومن خلالها يمكن أن يتحقق لبلادنا ما تهدف إليه من استقرار سياسي واقتصادي وأمني، فالبطون الجائعة هي التي تدفع أصحابها إلى العصيان والتمرد والاحتجاج والتظاهر والمطالبة بالحقوق، وعندما يتحقق للإنسان أمنه المعيشي يتحقق أمنه واستقراره النفسي والاجتماعي.