«التنسج الليفي» مرض يسبب تحجر الجسم

02:16 صباحا
قراءة 5 دقائق
مرض التنسج الليفي المعظم المترقي، ويطلق عليه المتخصصون أيضاً خلل التنسج الليفي المعظم المستفحل، من الأمراض القليلة الانتشار، فهو يهاجم النسيج الضام في الجسم، ويؤدي إلى تلفه وإلى حدوث خلل كبير في هذه الأنسجة، حيث يسبب تحولها إلى شكل صلب كالعظام تماماً، ويهاجم أيضاً الأنسجة العضلية فيتحول جسم المصاب إلى حالة من التحجر الكامل؛ لأن جميع الأنسجة الضامة التالفة تنمو على هيئة عظام، وينتج عنه تدمير الأربطة، والعضلات، والأوتار، واللفافات، وتحولها إلى مادة صلبة، ولذلك يطلق عليه البعض مرض متلازمة الرجل الصخرة، وهو من الأمراض الفتاكة بالإنسان.
يصنف كثير من الخبراء هذا المرض على أنه من الأمراض الوراثية، التي تتحول فيها العضلات والأنسجة الضامة إلى عظام، وتنمو هذه العظام على شكل هيكل عظمي جديد بجانب الهيكل العظمي الأساسي للإنسان. وتوضح الدراسات أن المرض يبدأ من الرقبة نزولاً إلى الأكتاف، ثم ما يلبث أن يمتد إلى الأطراف والجذع، وبالتالي تتصلب المفاصل ويعجز المريض عن حرية الحركة، وفي بعض الحالات يصاب المريض بمشاكل كبيرة في القدرة على التنفس، نتيجة نمو العظام الشاذة بجميع أنحاء القفص الصدري.
ومع تطور الحالة وتفاقم المرض بعد فترة من الإصابة يصل المريض إلى عدم القدرة على الحديث والتواصل مع الآخرين، نتيجة حالات التصلب والتحجر التي وصلت مفاصل الفكين مؤدية إلى العجز عن تحريكهما، وبالتالي عدم القدرة على الكلام.
وتستمر حالة الشخص المصاب في التدهور؛ إلا أن بعض شركات الأدوية العالمية أعلنت عن اكتشاف علاج جديد يمكن أن يساهم بشكل كبير في توقف نمو هذه العظام الزائدة والشاذة، غير أن نتائجه ما زالت تحت الدراسة. ويجري المزيد من التجارب لتقييم هذا العلاج ومعرفة مدى قدرته على الوصول إلى أي درجات الشفاء، والحد من توقف حالة نمو العظام.
طفرة تلقائية

يحدث مرض التنسج الليفي المعظم المترقي بسبب طفرة تلقائية يسببها الجين المسؤول عن تكوين العظام. وفي الحالات الطبيعية للنمو؛ فإن هذا الجين يتوقف تماماً عن العمل في إنتاج وتكوين الخلايا العظمية، وذلك بعد إتمام اكتمال عظام الجنين في رحم الأم أثناء مراحل التكوين، ولكن في حالات مرض التنسج الليفي المعظم المترقي، فإن هذا الجين يظل نشيطاً وينتج عظاماً حتى بعد ولادة الجنين، وهذه الطفرة التي يسببها الجين تسبب خطورة بالغة في محاولة إصلاح الضرر الذي أصاب النسيج الضام المتشكل من الأربطة، وأوتار العضلات، واللفافات، وأنسجة العضلات نفسها، بحيث تبدأ هذه الأنسجة في التحول التدريجي إلى عظام صلبة، وتؤدي في غالبية الحالات المصابة إلى إصابة المفاصل، ما يسبب توقفها التام عن الحركة.
وفي حالة اللجوء إلى العمليات الجراحية لإزالة هذه العظام الشاذة من بعض الأماكن الحيوية في الجسم، فإن مصير هذه العمليات يصبح الفشل، لأن هذا المرض سيعمل من جديد على إعادة تكوين عظام جديدة في نفس مكان إزالة العظام الشاذة؛ بل قد تؤدي العمليات الجراحية لإزالة العظام المتكونة حديثاً إلى إحداث مزيد من تفاقم الحالة المرضية، وتدهو المكان المصاب، بتكوين مزيد من العظام بصورة أكثر من الحالة الأصلية قبل إجراء الجراحة.
أخطاء التشخيص

وتكشف العديد من الدراسات أن الأطباء غالباً ما يخطؤون في تشخيص مرض التنسج الليفي المعظم المترقي، نتيجة قلة الحالات التي تمر عليهم منه، والكثير من الأطباء يشخصون هذه الحالة على أنها بعض التلفيات الناتجة عن أمراض أخرى، أو على أنه أحد أعراض الأمراض السرطانية في العظام.
ويطلب الطبيب من المريض عينات من عظام هذا المكان المصاب كي يقوم بالفحوص اللازمة للتأكد من الأورام، ما يسبب تدهوراً وتكويناً لعظام جديدة وكثيفة في المكان الذي سحبت منه العينة. وتبين بعض الأبحاث أن الكثير من مرضى خلل التنسج الليفي المعظم المترقي، يفضلون عدم الإنجاب حتى لاينتقل هذا المرض الخطير إلى الأطفال والأجيال القادمة عن طريق الجينات الوراثية.
أعراض المرض

وتظهر أعراض مرض التنسج الليفي المعظم المترقي، في معظم الحالات قبل الوصول إلى سن الحادية عشر من العمر، ويبدأ المرض في تكوين العظام الجديدة مثلما كانت تتكون في مراحل نمو الجنين في رحم أمه؛ أي أن العظام الشاذة الجديدة تبدأ في النمو من أعلى الجسم ثم تمتد إلى الأسفل تدريجياً. وتكشف بعض الأبحاث أن من المؤشرات والعلامات التي ترجح احتمالات إصابة الطفل بهذا المرض في المستقبل، هو ميلاده بإبهام كبير غير طبيعي ومشوه بصورة غريبة، أو ميلاد الطفل دون إبهام، أو بإبهام به نتوء ظاهر وواضح للعين، ما يساهم في سرعة تشخيص المرض.
وفي المستقبل تعمل الطفرة الوراثية المنقولة عبر الجينات على تفعيل وتنشيط هذا المرض بكل الأنسجة الضامة والعضلات والوصول إلى هذه الحالة المرضية الخطيرة. والسبب الرئيسي في حدوث هذه الطفرة غير معروف حتى الآن، وأيضاً كل الحوافز والعوامل التي تؤدي إلى حدوث هذا الخلل الجيني مجهولة، على الرغم من البحوث والدراسات التي تعمل في هذا الموضوع لمعرفة المسبب الرئيسي ومحاولة إنتاج علاج أو دواء يقضى على هذا المسبب من الأساس.
رحلة المعاناة

وتضيف الدراسات أن الطفل المصاب بمرض التنسج الليفي المعظم المترقي، يبدأ رحلة المعاناة بداية من حدوث تصلب وتحجر في الرقبة ثم ينتقل التصلب والعظام إلى الكتفين، ثم يمتد إلى الذراعين، ثم إلى القفص الصدري، ثم إلى الفخذين، فالساقين، وأحياناً تحدث الأعراض في محاور الهيكل العظمي وتمتد إلى الأطراف، فيفقد المريض قدرته على الحركة بشكل تدريجي مع الزمن وتطور المرض وانتشاره في الجسم، ويصل إلى صعوبة المضغ والكلام نتيجة تصلب مفاصل الفك. ومن الأعراض الإصابة بضيق التنفس الذي يؤدي إلى الإصابة بمشاكل متعددة في الرئتين والجهاز التنفسي.
عضلات لاتتأثر

ويفيد المختصون أن هناك عضلات لاتصاب ولاتتأثر بهذا المرض؛ بل تظل سليمة تمارس مهامها دون خلل أو تأثر به، ومنها عضلة القلب، التي تظل محتفظة بليونتها وقدرتها الطبيعية على ضخ الدم، فضلاً عن عضلات الحجاب الحاجز، وبعض العضلات الملساء، كعضلة اللسان، والعضلات المتحكمة في تحريك العين. ولايعرف حتى الآن سبب عدم تأثر هذه العضلات بمرض التنسج الليفي المعظم المترقي، ونجاتها من هذه الأعراض المهلكة.

محاولات لإنتاج عقاقير فاعلة

تسرد الدراسات تاريخ محاولات إنتاج علاج وأدوية لمرض التنسج الليفي المعظم المترقي، حيث توضح أن هذا المرض ظل لفترات طويلة لا تتوفر له أية أنواع من الأدوية والعلاجات، وكان الهدف الطبي الوحيد محاولة إقناع الحالات بالتعايش قدر الإمكان مع هذا المرض، ثم اكتشفت مادة مستخلصة من جسم سمك القرش تسمى «سكوالامين»، وذلك في عام 2000 كانت مهمتها منع تكوين العظام الجديدة في جسم سمكة القرش، وتمت التجارب العديدة على هذه المادة امتدت لـ 7 سنوات متواصلة ثم توقفت، كما أنه تم بعد ذلك تجريب أنواع مختلفة من الأدوية والأحماض في محاولة لكسر تأثير هذا المرض، إلا أن هذه الأدوية أيضاً لم تثبت فعاليتها ولا تأثيرها في الحد من تطور هذا المرض، وتركت هذه الأدوية آثاراً جانبية غريبة ومقلقة على الأشخاص، الذين تطوعوا للتجارب على هذه الأدوية الجديدة، ثم توقفت هذه العلاجات، إلى أن أعلنت شركة عالمية لإنتاج الدواء عن التوصل إلى إنتاج وابتكار دواء له قدرة جيدة على علاج أعراض مرض التنسج الليفي المعظم المترقي، والوصول إلى نسب معقولة من الشفاء، تخفف من احتمالات الوفاة الناتجة عن تصلب عضلات الجسم، وتوقف الكثير من العمليات الحيوية فيه.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"