الأزمة في القراءة

03:46 صباحا
قراءة 3 دقائق

علاء الدين محمود

المقولة التي كان لا يمل الناس، عامة وخاصة، من ترديدها في العالم العربي هي: «القاهرة تكتب، وبيروت تطبع وتنشر وبقية الدول تقرأ»، وتلك الكلمات لم تلق ذلك الرواج الكبير والاحتفاء غير المسبوق عن فراغ، بل لأن مكانة الكتاب والقراءة كانت كبيرة في العالم العربي، والمفارقة أن هذه المقولة قد بدأت شمسها في المغيب، ليس لأن النشر قد توقف، بل، لأن الجميع صار يطبع، والمفارقة الأخرى أن الوقت الذي صارت فيه كل البلدان العربية تطبع وتهتم بحركة النشر، كانت القراءة تنحسر، ليس القراءة وحدها بل حتى الكتابة التي تستحق، وهذا الأمر ربما يشكل مفتاحاً مهماً لتقييم أوضاع النشر، فالقراءة التي كانت جاذبة في وقت ما؛ أي في مرحلة السبعينات والستينات والثمانينات من القرن الماضي، على سبيل المثال، إنما كانت كذلك، لأن هنالك كتابة جاذبة، وهذه المعادلة ظلت تحكم العلاقة بين عمليتي الكتابة والقراءة، فمن المشاكل الكبيرة التي تواجه النشر، تراجع مستوى المكتوب نفسه قياساً بالسابق، وأصبحت دور النشر اليوم تنتج كتباً ضعيفة في مستواها وقيمتها الإبداعية والمعرفية، ابتغاء الربح، وهذا يشير إلى فهم قاصر للتجارة نفسها في مجال الطباعة؛ إذ إن المنتج الجيد يجد سوقاً جيداً.

إن أكثر المشاكل التي تجابه عملية النشر والطباعة، هي أزمة القراءة؛ أي العزوف عنها لدى معظم فئات المجتمع، ولعل من أهم التحديات، التي يجب الانتباه إليها في هذا السياق، ضرورة مراجعة مناهج التعليم في كثير من الدول العربية؛ إذ إن هذه المناهج تعتمد في أسلوبها على التلقين، بالتالي فهي تنتج متعلماً يحمل الشهادات بلا ثقافة أو معارف خارج دائرة تخصصه الضيقة، فهو شخص غير قارئ، ويدخل ضمن ذلك أيضاً، قضية الأمية بنسبها الكبيرة في أجزاء واسعة من العالم العربي، حيث إنها جعلت الكثيرين خارج دائرة القراءة، وعندما بدأت دائرة هذا الجمهور تضيق بفعل انتشار التعليم، كان العالم قد دخل في عصر ثورة المعلوماتية وانتشار الوسائط الجديدة ومواقع التواصل الاجتماعي الافتراضية، التي زاحمت عملية النشر الورقي، وفرضت نفسها بقوة في المشهد الثقافي، وحتى المؤلفات والكتب التي صارت توزع إلكترونياً، أضحت تتعرض لعملية القرصنة، ولكن حتى ثورة الاتصالات والتقنيات وبروز الكتاب الإلكتروني، ما كانت لتهز من مكانة الكتاب الورقي، لو أن دور النشر اهتمت بالمؤلف الجيد بدلاً من ممارسة عملية اللعب على عقول الناس بمحتوى فقير، فالنتيجة الطبيعية أن يحجم القراء عما يقدم لهم من سلعة لا ترضيهم.

تعترض عملية صناعة النشر في العالم العربي كذلك الكثير من المعوقات مثل الارتفاع الكبير في أسعار أدوات الطباعة نفسها: الأحبار والأوراق، إضافة إلى الجمارك والضرائب المرتفعة، وارتفاع أسعار الشحن وتكلفة معارض الكتب، الأمر الذي ينتج في المحصلة الأخيرة سلعة باهظة الثمن، ولقد خرجت الكثير من دور النشر من سوق العمل لهذه الأسباب، وليس لأن الكتاب الورقي فقد قيمته، فهذا حكم بالإضافة إلى أنه متعجل، فهو في ذات الوقت يتغاضى عن القضية الأساسية وهي ارتفاع تكلفة الطباعة. إن العالم العربي لم يصل إلى مرحلة الاستغناء عن الكتاب الورقي بعد، كما أن مكانة المؤلفات الورقية ظلت محافظة على مكانتها، والدليل على ذلك أن حركة القراءة والإقبال على الكتب الورقية في ارتفاع في الغرب.

إن غياب الرؤية التي تحدد هدف عملية النشر في العالم العربي، وغياب الاستراتيجيات التي تحقق الهدف، تشكل عبئاً كبيراً على عملية الطباعة والنشر، فلابد من الإجابة على سؤال: لماذا أنشر ولمن وكيف؟ أي لابد من وجود أفكار تبذل للإحاطة بالأزمة، وهذه قضية مهمة في سياق صناعة الكتاب، والغريب أن الكثير من المؤتمرات قد أقيمت لدراسة واقع النشر في العالم العربي، وسبل معالجته، وأصدرت الكثير من المؤسسات العربية توصيات تتضمن الحلول لكنها بقيت حبيسة الأدراج.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y5ys7m6v