«الفنون البصرية».. منهاج يحلّق بعقول الطلبة نحو «الكوكب الأحمر»

ملفاته تحاكي محاور مهمة في الأجندة الوطنية
23:26 مساء
قراءة 7 دقائق
تحقيق:محمد إبراهيم
«الفنون البصرية والتطبيقية».. منهاج يحلق بعقول الطلبة نحو المريخ، هكذا أكد خبراء التعليم وعدد من التربويين وأولياء الأمور، معتبرين أنه يعد مساراً تنموياً يسهم في رفع درجة الوعي التربوي لدى الطلبة، ويواكب التطور المشهود في فلسفة التربية والأنظمة التعليمية عالمياً.. والمتابع لمسارات وزارة التربية والتعليم التنموية، يجد أن خطة تطوير التعليم الشاملة طالت كل جوانب العملية التعليمية، بما فيها المعلم والطالب، فضلاً عن المناهج التي اشتملت على منهاج الفنون البصرية والتطبيقية، للصفوف 4- 8، الذي أسهم بدوره في إبراز ملفات مهمة، تشكل محور البحث والتركيز في الأجندة الوطنية للدولة، لاسيما مشروع «استكشاف المريخ»، الذي كرست له القيادة الرشيدة للدولة كل الاهتمام لإنجازه، تزامناً مع اليوبيل الذهبي للدولة عام 2021، فبات يحلق بعقول الطلبة نحو الكوكب الأحمر «المريخ».
ولعل ما ذكره صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، مؤخراً حول أهمية الفنون كمسار فاعل لتفوق الإمارات لتكون دولة محبة وسلام، تشجع على نشر هذه الفنون بأنواعها، من شعر، وأدب، ونحت، وموسيقى، وهندسة وعمارة، وما إلى ذلك من فنون تسعد الناس، وتخدم البشرية، وتتلاقى مع مختلف ثقافات العالم يعد تجسيداً واقعياً للاتجاهات التنموية الحديثة، وترجمة حقيقية لرسالة الإمارات، التي تحاكي في مضمونها بناء عقول ناضجة، تضم الجوانب «المعرفية والمهارية والوجدانية»، لاسيما أن اتجاهات العلم الحديث باتت تركز على النمو الانفعالي، والاجتماعي، والجسدي، والنفسي، إلى جانب النمو العقلي.. «الخليج» تناقش مع الخبراء والمختصين والتربويين، أهمية تضمين «الفنون البصرية والتطبيقية» في المناهج الدراسية، ومدى انعكاسها على تربية وتعليم الأبناء، في ظل المناهج المطورة التي اشتملت عليها خطة تطوير التعليم الشاملة في الدولة.
البداية كانت في وقفة مع منهاج «الفنون البصرية والتطبيقية» الذي صممته وزارة التربية حديثاً، ضمن مناهجها المطورة للصفوف من 4-8، وتم تدريسه منذ بداية العام الدراسي الحالي، لتطوير المنتج التعليمي؛ إذ يمثل مساحة إثرائية لا تنفصل عن مجمل المناهج الأخرى المستحدثة والمطورة، التي من شأنها إحداث التغيير والتطوير المأمول، في مستوى الأداء والتحصيل الأكاديمي للطلبة، فضلاً عن أنه ينمّي ملكة التخيّل لديهم ليأخذهم إلى آفاق أوسع من البحث والإنجاز.
وصمم المنهاج وفقاً لفكر تكاملي كرسته الوزارة في مختلف المناهج التي شكلت عماد المدرسة الإماراتية منذ إطلاقها مؤخراً، لخدمة مسيرة تطوير المنظومة التعليمية في الدولة، في المراحل الدراسية كافة، سواء في التعليم العام أو العالي، عبر بناء جيل من الطلبة يمتلك مهارات عصره، ويتحلى بقدرات تحاكي المستقبل، وصولاً لقادة التميز والريادة والابتكار في مختلف المجالات.

البحث والتركيز

وتطرق المنهاج لأبرز القضايا التي باتت تشكل إحدى محاور البحث والتركيز في أجندة الدولة، لاسيما مشروع «استكشاف المريخ» الذي جنّدت له القيادة الرشيدة جل اهتمامها وخيرة أبنائها، لإنجازه بالتزامن مع احتفال الدولة بيوبيلها الذهبي عام 2021، وشكل ذلك ركيزة أساسية في محتوى المنهاج، الذي يعمد إلى إطلاق خيال الطلبة باتجاه استكشاف المريخ، وتصميم مركبات فضاء، بغية ترسيخ تلك المفاهيم، في أذهانهم وإذكاء رغبة البحث ومهارات التصميم في وعي الطلبة، في إطار قالب فني أفردت له الوزارة دروساً مخصصة لتأدية الغرض المأمول منه، إذ ربطت الطلبة من خلال تلك الأفكار بقضايا المجتمع والدولة التي تعتبر أولوية قصوى في سلم الاهتمامات.

إطلاق العنان

وفي تصريحاته ل«الخليج»، يرى مروان الصوالح، وكيل وزارة التربية للشؤون الأكاديمية للتعليم العام، أن منهاج الفنون البصرية والتطبيقية، أسهم بشكل فعّال في وضع الطلبة في مناخ عملي بالتوازي مع الجانب النظري والأكاديمي، إذ رسخت الوزارة لدى الطلبة مفاهيم مهمة، تسعى المدرسة الإماراتية إلى غرسها في أذهانهم متضمنة أبرز القضايا المطروحة في أجندة الدولة، كاستكشاف المريخ، من خلال إطلاق العنان لمخيلة الطلبة في تصميم مركبات فضائية في خطوة تهدف لدمج الطلبة في أهم المشاريع الريادية التي تسعى الدولة لتحقيقها خلال الفترات القادمة.
وقال الصوالح، إن الوزارة عمدت إلى إيجاد إطار تكاملي فيما بين المناهج المختلفة، بحيث يغذي بعضها بعضاً ويرسخ مضامينها بوسائل مختلفة، من خلال إيجاد مساحات إثرائية في مناهج تكثف وترسخ في أذهان الطلبة محتويات ومضامين مناهج رئيسية أخرى.

القيم الفنية

وأوضح: «تمثلت أبرز ملامح تطوير منهاج الفنون البصرية والتطبيقية، في ربط العملية التعليمية بحياة الطلبة وقضاياهم المجتمعية وترجمتها لخبرات فنية، تؤكد المهارات والقيم الفنية المكتسبة، فضلاً عن إدراج مفاهيم المواطنة والاستدامة والسعادة والإيجابية والتسامح وغيرها، من خلال موضوعات تطرح قضايا مجتمعية، وتعزز دور الفن في توثيق ثقافة شعب الإمارات وتحفّز الطلبة، على ترجمة مشاعرهم تجاهها باختيار حر لأساليب وتقنيات العمل الفني المراد تنفيذه».
وأكد أن المنهاج ركز على الاهتمام بالبعد البيئي والوطني والتراثي في تعزيز مفاهيم الاستدامة، وسيرة الباني المؤسس، ومهارات القرن ال21، وتناول الفنون التراثية والأهازيج الشعبية في المناهج المطورة لجميع الصفوف، وربط مادة التربية الموسيقية بالتكنولوجيا الرقمية الحديثة في مجالات التدوين والتسجيل، والتصميم من خلال برامج وتطبيقات موسيقية متخصصة، فضلاً عن تضمين المناهج قيم التسامح، والاعتدال، والوسطية، وتقبّل الآخر، والحفاظ على العادات والتقاليد والهوية الوطنية، فضلاً عن أن المنهاج يحاكي في مضمونه، تعزيز مهارات التفكير العليا والابتكار من خلال التطبيقات العملية، والانفتاح على موسيقى العالم العربي والأوروبي والآسيوي، من خلال التعرف إلى الأنماط الموسيقية والآلات.

آليات البحث

وبحسب عدد من خبراء ومتخصصي المناهج في وزارة التربية: «يشكل منهاج الفنون البصرية مساراً مهماً في تمكين الطلبة من تطوير آليات البحث البصري، والقدرة على إنتاج حلول بصرية متنوعة للموضوع قيد الدراسة، واختيار الأنسب منها لإنتاج الأعمال الفنية، سواء أكانت تشكيلية أم تطبيقية. وتعد هذه المهارات أساسية في مجالات الفنون وترجمتها إلى صورة عمل فني متكامل على أرض الواقع، فضلاً عن أنها تسهم في تقوية ملكة التخيّل من خلال ممارسة الإنشاء البصري في العمل الفني قبل تشكله، مما يسهم في تمكين الطلبة من تصور وبلورة الحلول الممكنة في كل حالة من خلال التأمل والتفكّر والاستنتاج».
وقالوا إن تصميم المنهاج جاء في أعقاب استطلاع متكامل، نفذّته إدارة المناهج في الوزارة حول التخصصات الجامعية المطروحة، ذات الصلة بمنهاج الفنون البصرية، والبحث في التخصصات الدراسية، التي يمكن للطلبة الالتحاق بها، بعد إنهاء دراستهم الثانوية، حيث شملت 6 مجالات منها، التصميم الجرافيكي، والرسوم المتحركة، وعلم المتاحف، والتصميم الداخلي، وإدارة المشروعات، وتصميم المجوهرات، وغيرها من المجالات.

تغيير الفكر

وأعطت الفنون حيزاً مهماً في المناهج المطورة للمدرسة الإماراتية، وشكلت خطوة نوعية نحو تغيير التفكير عند التعاطي مع الفنون، فضلاً عن أهميتها كوسيلة مساندة وفاعلة للعملية التربوية. هذا ما وصل إليه الخبير الدكتور عبد الله مصطفى، حيث أوضح أن الإنسان ينعم بحس فني ومواهب فنية تبدأ قبولاً أو رفضاً غرائزياً وفطرياً، وترتقي معرفة واختباراً. وأضاف أن الممارسة المنهجية لتنمية القدرات الفنية تسير بالمتعلم إلى نمو متماسك لمختلف جوانب الشخصية، وإلى اندماج المعارف المكتسبة بالإمكانات الذاتية، وتلعب الفنون في التربية دوراً مهماً، انطلاقاً من كونها تمكّن المتعلم من الحصول على كفايات وقدرات متنوعة، وتعمل على تنميتها من خلال مواقف تعليمية وطرائق وأساليب تستخدم الإطار الفني، وتهدف إلى إحداث تغيير مرغوب فيه بأنماط المتعلم السلوكية والجسدية والفكرية والنفسية والاجتماعية.
فالفنون في التربية وسيلة تسهم في تحقيق الأهداف التربوية أولاً، والفنية الجمالية ثانياً. من هنا تأتي ضرورة إدخالها في المنهج وليس الاكتفاء وعدم تهميشها، فالأهداف التربوية في المدرسة ليست تعليمية فقط؛ بل تتخطى إلى الجوانب النفسية والخلقية والجسدية والروحية والعصبية للطالب؛ أي بناء شخصيته بشكل متكامل ومتوازن.

أوبرا دبي

وترى التربوية إيمان غالب، أن مبنى أوبرا دبي الجديد، تم افتتاحه ليكون فرصة عظيمة، لإعادة الأنشطة الموسيقية في مدارس الدولة؛ إذ إنه من أبرز أهداف وزارة التربية والتعليم تخريج المواطن المتذوق لجميع أنواع الفنون.
وأضافت أن المرحلة الثانوية تمكن الطالب من اكتشاف ذاته، وتحديد هدفه قبل الدراسة الجامعية، حيث يمتلك عدداً كبيراً من الخبرات، التي تؤهله كفنان قادم يعمل على رفع اسم الفن الإماراتي، عبر آفاق ورؤية جديدة متطورة، ويوجد لدى القائمين على المناهج وثيقة وطنية لإدراج التربية الموسيقية في المرحلة الثانوية. وأعتقد أنها قيد البحث والدراسة، فالموسيقى غذاء الروح، وكما قال العالم والفيلسوف نيتشة: «إذا أردت أن تحكم على مستوى شعب فاستمع إلى موسيقته».
وأكدت أهمية توظيف الفنون في التعليم، إذ تسهم في توجيه سلوك الطالب إيجابياً، حيث تركز عليها الدول المتقدمة في تربية وتعليم النشء، لدورها الفاعل في بناء شخصية متّزنة.

شخصية قيادية

وحول مرحلة الروضة وحتى نهاية الحلقة الأولى، قال هاني حمزة، أستاذ جامعي بكلية التربية النوعية، قسم الفن والموسيقى، إن الفنون تسهم في إكساب الطفل مهارات إيجابية عدة، تساعده على تشكيل شخصية قيادية، مثل: القدرة على مواجهة الجمهور، وعدم الرهبة من التجمعات، وحب العمل الجماعي، وعدم الانطوائية والخجل، والقدرة على حل المشكلات، ووضع حلول بديلة من خلال الأناشيد المعبرة عن البيئة، وتعميق الحس الوطني والانتماء للوطن، والألعاب الشعبية وما يصاحبها من ألحان وخطوات رشيقة تعبر عن جمال الماضي وعظمة الأجداد، والفرح بنزول الأمطار.
وأضاف: «لا نستطيع إنكار أثر الفنون في الارتقاء بالذوق العام للمجتمع، خاصة في مرحلة الشباب والمراهقة؛ إذ يمكن استغلال طاقاتهم وتوظيفها في اتجاه مثمر، يحقق فكرة إثبات الذات».

الذكاء المتعدد

واشتملت نظرية الذكاء المتعددة، لهورد غاردنر على 7 أنواع من الذكاء، تتمثل في الذكاء اللغوي ويعرف بذكاء الكلمة، والمنطقي «الرياضي» ويعرف بذكاء العدد والاستدلال العقلي، والمكاني وهو ذكاء الصورة والخيال، والجسدي «الحركي» ويمثله ذكاء الجسد، والموسيقي يتمثل في «ذكاء النشاط الموسيقي والصوت الجميل»، والعلاقات بين الناس «الذكاء الاجتماعي»، والذكاء مع الذكاء «ذكاء خاص بالذات».

التكنولوجيا الرقمية والتصميم

وفي تعقيبه على ملامح مقررات الفنون البصرية والتطبيقية، قال مروان الصوالح، وكيل وزارة التربية للشؤون الأكاديمية، إنها تركز على الربط بين التكنولوجيا الرقمية والتصميم، بهدف تطوير مهارة الإخراج والإعلان في فروع التصميم لمخاطبة الجماهير وخدمة المجتمع، فضلاً عن الإبداع والابتكار لربط محاور المادة، بما يحقق التكاملية في الإنتاج التطبيقي، فضلاً عن أهمية تضمين مهارات البحث، التي اشتملت على اختبار الاختلافات الثقافية اللازمة للإقناع البصري والفني في مهارات التسويق والبيع وغيرها من مهارات القرن 21، فضلاً عن تطوير مهارات الكتابة والمحادثة والقراءة التشكيلية والنقد، والإقناع والبحث والتحليل.

الهوية الوطنية

بنيت مناهج الفنون البصرية والتطبيقية لتعزز الهوية الوطنية، ولتشجع على الإبداع والابتكار، معتمدة على 3 محاور دولية لبناء أدلة تلك المادة، تتمثل في «تاريخ الفن والثقافة الإنتاج الفني النقد والتحليل الفني»، فضلاً عن اعتماد استراتيجية تكاملية الفنون البصرية مع المواد الدراسية الأخرى، وتضمين معاييرها في الأنشطة المتنوعة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"