«صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ...»

في رحاب آية
00:41 صباحا
قراءة 3 دقائق
د. رشاد سالم
د. رشاد سالم
د. رشاد سالم *

قال تعالى في سورة الفاتحة على لسان المؤمنين: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ).
نلاحظ أن فعل الخير وهو النعمة أسند إلى الله تعالى، وبني الفعل للمعلوم في «أنعمت»، أما فعل الشر وهو الغضب فلم ينسب إليه تعالى، وبني الفعل للمجهول، وحذف الفاعل في «غير المغضوب» تحاشياً من نسبة الغضب إليه أدباً ولطفاً.
ويشير ابن القيم إلى هذه الظاهرة الطيبة في القرآن الكريم، فيقول:
إذا عرف هذا عرف معنى قوله في الحديث الصحيح: «لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك،...».
فذكر النعمة مضافة إليه سبحانه، والضلال منسوباً إلى من قام به، والغضب محذوفاً فاعله لوجوه، منها: أن «النعمة» هي الخير والفضل، و«الغضب» من باب الانتقام والعدل، والرحمة تغلب الغضب، فأضاف إلى نفسه أكمل الأمرين، وأسبقهما، وأقواهما.
ومثله قول الخضر في السفينة، كما جاء في سورة الكهف: (فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا)، ثم قال بعد ذلك: (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي)، وفي جدار الغلامين قال: (فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ).
ومثله قول الخليل كما جاء في سورة الشعراء: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ، وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ، وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ، وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ)، فنسب إلى ربه كل كمال من هذه الأفعال، ونسب إلى نفسه النقص منها، وهو المرض والخطيئة.
وتارة يحذف فاعل الشر كقوله تعالى في سورة الجن حكاية عن مؤمني الجن: (وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا)، فحذف فاعل الشر ومريده، وصرح بمريد الرشد.
ومثله قوله تعالى في سورة الحجرات: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ)، فنسب هذا التزين المحبوب إليه، وقال في سورة آل عمران: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ)، فحذف الفاعل المزين.
وبالجملة فالذي يضاف إلى الله تعالى كله خير وحكمة، ومصلحة وعدل، والشر ليس إليه سبحانه.
«وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ»
روعي في نظم القرآن أن تتناسب الأصوات شدة ولينًا مع ما يناسبها من المعاني والأغراض، فإذا ألفاظ القرآن كما يقول الرافعي إذا اشتدت فأمواج البحار الزاخرة، وإذا هي لانت فأنفاس الحياة الآخرة.
والإيقاع الشديد يناسب مقام الإنذار والوعيد، ووصف غضب الله على المجرمين، وفي تصوير مشاهد عذابهم، وأهوال يوم القيامة وأحوالها.
والإيقاع الليّن الرقيق يناسب مقام الترغيب والتسلية، ومخاطبة الأنبياء والمؤمنين، ووصف الجنة ونعيمها.
وقد جاء كل إيقاع مناسبًا غاية المناسبة التامة للمعنى في جميع القرآن، ونذكر مثالاً يوضح ذلك:
قوله تعالى في سورة الحج: (هذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ۖ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤوسِهِمُ الْحَمِيمُ، يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ، وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ، كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ).
إنه مشهد مخيف من مشاهد العذاب، يصور ثيابًا تقطع من النار للمعذبين، وحميمًا يصب من فوق الرؤوس، يصهر به ما في بطونهم والجلود، ومقامع الحديد تقمعهم في العذاب الشديد.
وقد جاء إيقاع النص بجرس شديد يناسب المعنى المذكور، ويصوره في النفس أيّما تصوير، حتى إن من يسمع إيقاعه يدرك أنه حديث عن انتقام شديد.
وقد ظهرت المناسبة بين الإيقاع والمعنى من خلال الأصوات القوية الشديدة، كالقاف المضمومة والطاء المشددة في (قُطِّعَتْ)، والصاد مع الباء المشددة المضمومة في (يُصَبُّ)، والهمزة المضمومة الممدودة في (رُؤوسِهِمُ)، والباء والطاء المضمومتين في (بُطُونِهِمْ)، والجيم المضمومة في (وَالْجُلُودُ) و(يَخْرُجُوا)، والدال المضمومة في (أَرَادُوا) و(أُعِيدُوا)، والقاف المضمومة في (وَذُوقُوا)، وحرف القلقلة في الفاصلة (وَالْجُلُودُ.. حَدِيدٍ.. الْحَرِيقِ).
وهكذا اجتمعت الألفاظ ذات صفات الجهر والشدة والاستعلاء والتفخيم والإطباق والقلقلة، وهي كلها من صفات القوة، والتي تناسب المقام.
* مدير الجامعة القاسمية - الشارقة

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"