«قلبي دق» مسلسل لبناني عرضته قنوات «إل بي سي»، ونال إعجاب الجمهور اللبناني واستطاع أن ينافس المراكز الأولى مقارنة بمسلسلات تحمل أسماء نجوم مشهورين في الكتابة والإخراج والتمثيل. «قلبي دق» لا يملك تلك الأسلحة القوية ليحارب بها وسط المنافسة الدرامية، فكيف؟ ولماذا جذب الجمهور بقوة؟
كاتبته الممثلة كارين رزق الله، انطلقت في التأليف مع الحلقات الكوميدية «سيت كوم» ثم انتقلت إلى المسلسلات والأفلام، لكنها بقيت دائماً تميل نحو الكوميديا المغلفة بالرومانسية. قدمت أعمالاً بسيطة، خفيفة غير معقدة، كذلك فعلت في «قلبي دق»، لكنها زادت فيه جرعة الرومانسية وقصة الحب. من هنا نجحت كارين في تقديم السحر الذي يحتاجه المشاهد ويفتقده بشدة على كل الشاشات العربية، في هذا الزمن الذي يطغى فيه العنف والمآسي والدم على الواقع.
كل مشاهد يبحث عن مساحة يرتاح فيها من الهموم التي تطارده، ومن صور الموت في نشرات الأخبار والبرامج. يريد أن يهرب من المشاكل التي يعجز عن حلها، فإذا به يتورط في مشاكل أبطال مسلسلات كلها مشاحنات وتوترات ومآسي وكوابيس.. يحتاج إلى صورة جميلة، حكايات مشرقة بعيدة عن التعقيد كي يتنفس ويشعر بالسعادة. وهذا أمر طبيعي، وعلى التلفزيون أن يؤمّن جرعة عالية من الراحة النفسية للمشاهدين، خصوصاً أن الدراما تترك أثراً مباشراً في الناس سواء في حالاتهم النفسية أو في كلامهم وتصرفاتهم وأحياناً تضطرهم إلى إعادة التفكير في أمور حياتية يعيشونها.
من هذه النقطة تفهم سبب انجذاب الجمهور لأعمال تبدو بسيطة جداً، وابتعاده عن أعمال كلفت الكثير من الأموال لإنتاجها، وكتبتها وأخرجتها أسماء معروفة، لكنها في المقابل تحتاج إلى الكثير من التحليل وربط الأحداث ببعضها بعضاً لفهم ما يحصل، فيشعر الجمهور وكأنه أمام امتحان صعب، يختبر ذكاءه وذاكرته في كل مشهد، وهو ما ينطبق مثلاً على حالة من يشاهد المسلسل المصري «العهد - الكلام المباح»، فهو ناجح جداً ومعقّد وصعب جداً.
قصة «قلبي دق» بسيطة، تتحدث عن ارتباط الفتاة كريستين أو «تينا» بالشاب سامي رغماً عنهما وتحت تهديد السلاح من قبل والدها وإخوتها. الحلقات الأولى غير قوية كتابة وإخراجاً، لكن السيناريو والحوار يسيران بشكل تصاعدي فترتفع حدة الأحداث وتترسخ الفكرة مع توالي الحلقات، حتى تصل إلى الذروة مع اقتراب النهاية. وهنا تبرز براعة كارين رزق الله في اللمسة الرومانسية، وأفضل لو تكثر منها في نصوصها على حساب الكوميديا، خصوصاً أن كثيراً من «الافيهات» لم تكن مضحكة ومبالغ فيها، وكان من الممكن الاستغناء عنها.
أبعد من قصة الحب، ذهبت كارين لتسليط الضوء على نظرة المجتمع للأنثى، وحرمانها الكثير من حقوقها. قدمت نماذج من المجتمع اللبناني تبرز التناقض فيه، فهناك الفكر المتحجر الرجعي، والفكر المنفتح والثالث الشديد الانفتاح والخارج عن كل التقاليد. التشابه في التمسك بالتقاليد بشكل أعمى يجمع بين الطبقتين الفقيرة والارستقراطية، فيبدوان وجهين لعملة واحدة. تقاليد الارستقراطيين تحرم الأبناء من عطف الوالدين، ومن العيش ببساطة، وجعلها أولوية في الحياة على حساب مشاعر كل أفراد الأسرة.. وفي القرية تمسك بتقاليد تحرم الفتاة حضن أبيها، وتمنعه من تدليلها وإظهار مشاعره نحوها، وتدفعه إلى حرمانها من الميراث، والتحكم بمصيرها، بينما يغض الطرف عن نزوات إخوتها لأنهم «ذكور». ذكاء كارمن في الكتابة يظهر في تلك النقطة وفي دفع المشاهد إلى رؤية أوجه التشابه دون إيصالها إليه بالحوار المباشر. ارتفعت وتيرة الدراما عند منتصف المسلسل واستمرت صعوداً وشحنت عواطف المشاهدين حتى الحلقة الأخيرة، وأعادت مشاهد الثنائي «تينا» و«سامي»، صور الثنائيات الدرامية والسينمائية الرومانسية الناجحة.
اسم غادة دغفل مازال جديداً في عالم الإخراج ولم يعلق في ذهن الجمهور بعد، فالمخرجة لم تقدم سوى مسلسل واحد قبل «قلبي دق». بعض اللقطات نشعر بأنها حشرتها بلا داعٍ، خصوصاً تلك اللقطات الصامتة التي تمر دون أن يكون لها أي تأثير على الأحداث أو مبرر لوجودها، كما لا نفهم سبب وجود الكحوليات في كل المشاهد تقريباً وكل الأوقات، وبلا داعٍ أيضاً! رغم ذلك، المسلسل يشدك لتعرف ما الذي سيحصل في الحلقة المقبلة.
الممثلون تألقوا في أدوارهم وكارين رزق الله أثبتت أنها مقنعة في الرومانسية والتراجيدية وتملك قدرات أكبر من تلك التي قدمتها حتى الآن، وهي التي حصرت نفسها منذ سنوات بالكوميديا فقط. أما يورغو شلهوب فهو النجم الوسيم الذي يزداد تألقاً في أدائه، ويجب أن يكون الفرس المراهن عليه من المخرجين والمنتجين وألا يكتفوا بنفس الأسماء التي نشاهدها كل عام. يورغو قدم ثنائياً جميلاً مع كارين، وتألق معظم فريق العمل كل في دوره.
هذه الرومانسية نفتقدها بشدة ونحتاجها على الشاشة، وحبذا لو جاءت محبوكة بحرفية كتابة وإخراج وإنتاج، بعيداً عن الفذلكة من جهة والعنف من جهة أخرى، كي نستعيد متعة المشاهدة ونجد مساحة للراحة على الشاشة.
مارلين سلوم