«..وخطئ آدم فخطأت ذريته»

قدوات خالدة
00:31 صباحا
قراءة 3 دقائق
د. سالم بن علي الشويهي

رسمت قصة أبينا آدم عليه السلام معالم الطريق لذريته من بعده فدراستنا لسيرته وتأملنا في مسيرته هو في الحقيقة معرفة لذواتنا واستشراف لمستقبلنا فإن أردت أن تعرف نفسك فتعرف على سيرة أبيك آدم فما أنت إلا واحد من ذريته فالأبوة لا تزال تدب في نفوس ذريته من بعده وآثارها ملتصقة في نفوس بنيه فما من أحد من بني آدم إلا وهو خاضع للسنن والقوانين التي كان عليها جاء في الحديث الصحيح (فجحد آدم فجحدت ذريته ونسي آدم فنسيت ذريته وخطئ آدم فخطأت ذريته) لذلك تكررت قصة آدم في القرآن لنتبصر ونتذكر ونتعظ.
وتبدأ القصة يا سادة عندما خلق الله آدم وفضّله وكرّمه وأتمّ نعمته عليه بأن خلق منه حواء ليسكن إليها وقال له: (وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا) أي واسعا طيبا هنيئا لا عناء في تحصيله (حيث شئتما) أي من أي مكان في الجنة ومن جميع أصناف الثمار والفواكه (ولا تقربا هذه الشجرة) نهاهما عنها امتحانا وابتلاء وهذا يبين لنا أن الحلال لا يعد ولا يحصى أما المحرمات فقليلة محدودة محصورة ولذا قال (فتكونا من الظالمين) إن أكلتما منها مع وجودكما في نعيم يغنيكما عنها فإذا عاش الإنسان في جنة الشريعة وأكل من جميع أشجارها الوارفة ماعدا الشجرة المحرمة فإنه يشبع غرائزه ويستمتع بحياته ويعيش برضى مولاه وينعم بقربه وسيدخل جنة الرضوان بإذن ربنا الرحمن وهنالك يتحقق له كل مراد (لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد) وتأملوا في قوله تعالى (ولا تقربا هذه الشجرة) ولم يقل ولا تأكلا منها لأن النهي عن القرب أبلغ من النهي عن الفعل وذلك لأن القرب من الشيء يدعو إلى إتيانه والميل إليه وفيه إشارة إلى قاعدة سد الذرائع وهي من القواعد الفقهية والالتزام بها حماية ووقاية من الوقوع في المفاسد
(فوسوس لهما الشيطان) كلمة وسوس تدل على الهمس في الإغراء كما تدل على استمرار محاولة الشيطان لإغوائهما وهذا معناه أنهما لم يستجيبا له منذ أول محاولة فأعاد الكرة (فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) لقد خاطب فيه غريزة مفطورة عليها النفس البشرية وهي حب التملك والرغبة في الخلود (وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين( ولم يكتف إبليس باستغلاله لهذه الغريزة البشرية للإيقاع بآدم وحواء بل أضاف إلى ذلك )وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين) أي أقسم لهما بالله إنه لناصح لهما وحلف إنه لصادق ولمّا سمعا اليمين نسيا العهد ولم يتصورا أن تصل به العداوة أن يحلف لهما بالله كذبا فأحسنا الظن بكلامه لذا قال تعالى عن ذلك (فدلاهما بغرور) أي أن إبليس أغواهما وأزلهما بسبب غروره عندما أقسم لهما وصدقاه (فأكلا منها) لقد تمت الخدعة وآتت ثمارها المرة حيث أنزلهما الشيطان بهذا الغرور من طاعة الله إلى معصيته (فأزلهما الشيطان عنها) ويا لتعبير الصورة (فأزلهما) وكأنك تلمح الشيطان وهو يزحزحهما عن الجنة ويدفع بأقدامهما فتزل وتنزلق للعصيان وتهوي بهما (فأخرجهما مما كانا فيه) من النعيم المقيم (فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوآتهما) وهذه مغبة المعصية سلب النعمة روي في الحديث (وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه) فالعصيان سلبهما اللباس الذي يغطي السوءة، ولو أن هذا الجزاء بقي على البشرية إلى يومنا هذا بحيث تنكشف عورة كل من عصى لما بقي لباس على أحد من الناس إلا الأنبياء والمرسلون فهم أهل عصمة وغيرهم خطاء ومذنب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كل بني آدم خطاء).
أحسن الله بنا أن الخطايا لا تفوح
فإذا المستور منا بين ثوبيه فضوح
فنسأل الله تعالى كما سترنا في الدنيا أن يعفو عنا يوم الدين إنه هو الغفور الرحيم.
[email protected]

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"