هناك فرق هائل بين الذكاء الاجتماعي والنفاق الاجتماعي، فالذكاء الاجتماعي - كما يقول النفسانيون - يظهر في القدرة على التعامل مع الناس، كما يظهر في القدرة على إصدار الأحكام في المواقف الاجتماعية، مع القدرة على التعرف الى حالة المتكلم النفسية، والقدرة على ملاحظة السلوك الإنساني، وأخيراً روح المرح والدعابة.
أما النفاق الاجتماعي فهو يعني تبجيل الناس بغير حق، والخوف منهم، والتماهي معهم، وربط حبل المرء بحبالهم، فيظهر المرء لهم وجها حسنا باسما، في حين يُضمر لهم العداوة والبغضاء، ويفعل ظاهرا ما لا ينطبق عليه باطنا، وهذه ازدواجية نفسية خطيرة، وسمة غير أخلاقية في الوقت ذاته، وهي تدل على جهاز نفسي وأخلاقي هش وضعيف ومخادع، وانتشارها يجعل الحياة مملوءة بالأقنعة الكاذبة، ويُهدر مفاهيم الثقة والأمانة بين الناس.
والنفاق الاجتماعي هو بداية انهيار المسؤولية الاجتماعية، أو هو عتبة التآمر الوظيفي، ذلك لأن الشخصية الإنسانية - مهما كانت ذات علم وقدرة - إذا أصيبت بفقدان معنى الأمانة وأماتت ضميرها، فقد أصيبت في الصميم، وطغى شرها على خيرها.
فهاهنا آلية التدمير الذاتي عبر آلية انفصام القيم والمعايير، فالقوة والفاعلية شيء جميل، لكن ذلك يمسى شيئا دميما إذا أصبحتا وسيلة للتغرير، أو قنطرة لسرقة العقول واغتصاب الضمائر.
فلا بد من البيان وعدم الكتمان، فهنا بداية نهوض، وهاهنا صناعة حضارة، وإنشاء أمة.
لا بد أن نطوي أخلاق الإذعان والمُوالسة، وما الموالسة إلا الخداع والمداهنة، وما التوالس إلا التناصر في المكر والبهتان.
وبصفة عامة فإن فقدان رقابة الضمير، والسير مع هوى النفس وهوى المجتمع، هو الآفة التي تجتاح الأخضر واليابس في مجالات العقائد والأخلاق، وفى ميادين العبادات والمعاملات على سواء.
إن صور العبث التي نراها - خاصة في بلاد الشرق - هي تهريج فاضح في مُلك الله، لذلك تشدد الإسلام في هذا الأمر ولم يتسامح فيه مطلقا، واعتبر ذهاب معنى الأمانة من علامات الساعة في الدنيا، ومن أسباب الدواهي في الآخرة، فحين سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة قال: إذا ضُيعت الأمانَةُ فانتظرْ السَاعَةَ (رواه البخاري).
وللعلامة رشيد رضا رحمه الله تفسير جميل لمعنى فانتظر الساعة، يقول إن لكل أمة ساعة، أي ساعة أفول وذبول، وذلك إذا غاضت فيها معاني الأمانة، وانتشرت فيها جراثيم الأنانية وآفات الرياء، فإنها حينئذ تُلف في الأكفان وتودع الحياة، لأنها حينئذ تمسي غير جديرة بها.
أما في الآخرة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يُنذر كل من تسوّل له نفسه إماتة الضمير وخيانة الأمانات، من المصير الأسود الذي ينتظره، يقول عليه الصلاة والسلام: إذا جمع الله بين الأولين والآخرين يوم القيامة يرفع لكل غادر لواء يُعرف به فيقال هذه غَدْرَةُ فُلان ( رواه البخاري).
هذا المصير لا ينجو منه إلا من وعى رسالته، وأدى أمانته، وسواء وعَى الناس هذا المعنى أم ذهلوا عنه، فإن الله قد أقام الحُجة، وأثبت المَحجّة، ولن يستطيع أحد ليّ زمام الحقائق، وتحويل الكذب إلى صدق، والخيانة إلى أمانة.
إن كتمان الحق والزهد فيه، يمثل تحطيما للمثل العليا، يمثل تحويل التراث الخالد جسما لا روح فيه، وصورة لا حقيقة معها، ومن ثم تحويل الأوطان إلى ديار طعام وشراب، لا ديار رسالة ونضال.
فيوم يسري كتمان الحق في الأمة، فإنه يمسي معصية مركّبة قبيحة، والمعصية الفردية لا خوف منها، إنما الخوف كله والخطر كله، في المعصية الاجتماعية، أعني يوم يتواطأ الناس على الغش، أو يتعارف عامة الشعب على الكذب والتزوير دون نكير، يوم يسكتون عن المنكر، يوم يكتمون شهادة الحق، فهنا تمشي الأمة إلى دروب الهاوية تتهادى، وقد مشينا فعلا في طريق الهاوية وقطعنا فيه أشواطا لا بأس بها، وأخشى أن يكون إملاءُ الله لنا نوعا من الاستدراج الذي تعقُبه الفاجعة، والتي تُفضي إلى العذاب الأليم، فمَن غفل عن سُنن الله، لا تغفل عنه سُنن الله.
إن هناك استحقاقات للذنوب، ألا وإن من أعظم الذنوب قول الزور وشهادة الزور، وأخلاق الضعف والمداهنة، فهذه ذنوب من العيار الثقيل، لأنها تنبئ عن تغلغل الفساد إلى أعماق المجتمع، وفي مثل تلك الحالة تسقط الأمة من عين الله، وتستحق غضبه بجدارة، إلا أن تُقلع وتتوب.
إنه لا خطر من نكوص البعض، وتلك حقيقة، لأن أوان الخطر لم يأت بعدُ، فهناك فئة تعرف الحق ولا تعدل عنه، أما وقت الخطر الأكيد، فهو سكوت هؤلاء أو موتهم، حتى لا يبقى على الأرض أحدٌ يحفظ ميثاق الله وأمانته، فهنا الهاوية، وهنا التدمير، والبلاء المستطير.