أحمد الحفناوي العازف بمشاعره على الكمان

شكل مع القصبجي وصالح العمود الفقري لفرقة "الست"
02:59 صباحا
قراءة 3 دقائق

في مطلع العقد الأخير من القرن المنصرم، أي في عام ،1990 رحل عن هذه الدنيا في أغسطس/آب العازف العبقري على آلة الكمان العربية أحمد الحفناوي .

ومع ان آلة الكمان بشكلها الحالي هي صناعة اوروبية خاصة، مطورة عن آلة الرباب العربية، فإن العرب استعادوا آلة الكمان بعد التطورات التي أدخلتها عليها الحضارة الأوروبية، وطوعوها لتنطق المقامات العربية ذات ثلاثة أرباع الصوت نطقاً سليماً، مما أدخلها منذ القرن التاسع عشر في صدارة التخت الموسيقي العربي على أيادي عازفين مهرة مثل أنطوان الشوا وولده العبقري سامي، وابراهيم سهلون وغيرهم .

وإذا كانت أسماء عازفين مهرة على آلة الكمان مثل سامي الشوا وجميل عويس قد تصدرت ساحة العزف على هذه الآلة في الثلث الأول من القرن العشرين، فإن الجيل الثاني من العباقرة ما لبث أن ظهر بأسماء مثل يعقوب طاطيوس وأنور منسي وعطية شرارة وأحمد الحفناوي .

لا شك بأن أحمد الحفناوي قد رافق أعمال جميع الكبار من عباقرة الموسيقى والغناء طوال القرن العشرين بعد رحيل سيد درويش . ومع أنه لم يكن الأقوى بين زملائه في تقنيات العزف على هذه الآلة، إلا أنه كان يتفوق عليهم بعمق إحساسه في أداء المقامات العربية، بإحساس لم يكن يجاريه فيه أحد، مما دفع أم كلثوم، منذ أن كوّنت فرقتها الموسيقية الثابتة في حفلاتها الشهرية التي بدأت تذاع مباشرة من إذاعة القاهرة في عام ،1937 إلى وضع أحمد الحفناوي في صدارة كتيبة آلات الكمان التي كانت تشكل العمود الفقري في فرقة أم كلثوم الموسيقية . ويبدو ذلك واضحاً في جميع التسجيلات التلفزيونية لحفلات أم كلثوم، حيث كان يجلس أحمد الحفناوي في صدارة عازفي الكمان، إلى جوار زميليه الأساسيين في الفرقة، محمد عبده صالح على القانون، ومحمد القصبجي على العود .

لم تكن قيادة كتيبة الكمنجات في الفرقة هي المهمة الوحيدة التي كان يضطلع بها أحمد الحفناوي . لكنه كان يقوم بعزف الجمل الموسيقية التي يكتبها الملحنون لآلة الكمان المنفرد، فيؤديها بعمق وإحساس سرعان ما يحرك مشاعر المستمعين وأم كلثوم نفسها، يصفقون طالبين الإعادة، التي كان يؤديها الحفناوي بكل تواضع وإبداع .

كذلك، من المعروف والثابت تاريخياً أن أم كلثوم كانت في لحظات التجلي في بعض حفلاتها تفسح مجالا للتقاسيم المنفردة على احدى الالات، وكانت هذه المهمة محصورة بعباقرة ثلاثة، هم عبده صالح على القانون، والقصبجي على العود، والحفناوي على الكمان .

من أشهر جمل الكمان المنفرد التي أداها الحفناوي بكل عبقرية، جملة الكمان في المقدمة الموسيقية لأغنية أم كلثوم من ألحان رياض السنباطي ليلي ونهاري، حيث استعادها الجمهور في إحدى الحفلات مرات عدة، مما كان يستفز براعة احمد الحفناوي، فيبدع اكثر عند كل إعادة .

ومع أن عازف الكمان المفضل لمحمد عبدالوهاب كان أنور منسي، لقدرته على متابعة تجديدات عبدالوهاب الموسيقية، بسبب قوة احساسه وتمكنه من التقنيات الأوروبية في العزف على الكمان، فإن عبدالوهاب عندما كان يضع لحناً لجملة منفردة، على آلة الكمان تتطلب إحساساً شرقياً خالصاً، كان يعتمد على كمان أحمد الحفناوي، كما فعل على سبيل المثال في المعزوفة الرائعة بنت البلد .

على أي حال فقد كان محمد عبد الوهاب دائم الاعتماد في تسجيلاته الموسيقية في الاستوديو على ثلاثة من عباقرة آلة الكمان هم أنور منسي وعطية شرارة وأحمد الحفناوي .

وقد كان أحمد الحفناوي بين ثلاثي أم كلثوم المفضل أطولهم عمراً، فعاش خمسة عشر عاماً بعد أم كلثوم، وكتب له أن يتصدر فرقتها الموسيقية حتى بعد رحيل رفيقيه في الثلاثي محمد القصبجي ثم محمد عبده صالح .

ومع ان الحفناوي لم يترك أولاداً يورثهم الفن، فقد أورث حساسيته العبقرية لابن شقيقته عازف التشلو ناجي الحبشي الذي أدى عندما كان في العشرين من عمره جملة التشلو المنفردة الرائعة في مطلع مقدمة النهر الخالد لعبد الوهاب، ثم هاجر إلى السويد، حيث ما زال عازفاً بارزاً في أوركسترا ستوكهولم السيمفونية .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"