الأطفال أيضاً يكتئبون

مقال
14:08 مساء
قراءة 5 دقائق

يسارع الأهل إلى استشارة طبيب الأطفال في كل صغيرة وكبيرة تخص الأعراض المرضية الجسمانية التي تطرأ على الأطفال، إلا في حالة الأعراض النفسية، حيث نجد أنها لا تلاحظ إلا في وقت متأخر جدا وحتى بعد ملاحظتها نجد محاولة مستميتة من أهل الطفل لإيجاد أي تفسير فيما بينهم لهذه الأعراض غير كونها أعراض اضطراب نفسي، فإذا وجدوا في نهاية الأمر أنهم مضطرون إلى الاعتراف بأنها كذلك فضلوا عرضه على طبيب متخصص في المخ والأعصاب، لا على طبيب اختصاصي نفسي.. لذلك نحن كأطباء عندما نتدبر هذا الأمر نجد وراءه على الأقل مفهومين خاطئين.

المفهوم الأول.. هو التسليم بأن عقل الطفل أصغر من أن يستوعب وجود مشكلات بالمعنى الذي يستوعبها به الكبار، وهذه الفكرة تنطوي على أن مخ الطفل الصغير مازال غير قادر على التذكر، أو التعلم بكفاءة بما يفي بتمرير الخبرات السيئة عليه دون أن تترك أثرا في عقله الصغير.

كذلك القول إن الطفل الصغير لا يمكن أن تصيبه الأمراض النفسية لأنها في نظر أصحاب هذه المسلمات، إنما تحدث بسبب المشاكل الحياتية التي لا يمكن أن تحدث للطفل الصغير وهو مرعي في كنف أبويه.

وكم يعد الاقتناع بهذه المسلمات أو قبولها تبريرا لرفع الحرج عن الكبار عند تعريض الأطفال الصغار ولو سلبيا لأنواع من السلوك الاجتماعي غير السوي خاصة تلك المتسمة بالعنف اللفظي أو حتى البدني، وكذلك تعد تبريرا للتعامي عما قد يعاني منه الطفل من اضطرابات نفسية يمكن أن يساعد الطبيب على التغلب عليها خاصة في مراحلها الأولى..

غير أن الدراسات الحديثة الخاصة بدراسة تكوين المخ ونشاطه تؤكد تأثير الخبرات التي يتعرض لها الطفل في السنوات الأولى من العمر تأثيرا بالغ الأهمية على المخ وعلى أدائه طول الحياة.

ومما لا شك فيه أن أي اضطراب نفسي يصيب الطفل إنما يفقده الكثير من مدى عمره كله لأن قدرة مخ الطفل في سنوات عمره الأولى على التعلم والتشكل أكبر بكثير من قدرة الكبار، أي أن ما يتعلمه طفل خلال شهر وهو في سن الثانية وما يمكن أن يطرأ على دماغه يفوق بمراحل ما يمكن أن يتعلمه الشخص الكبير خلال عام أو أكثر، أي أن كل خلل وظيفي في مخ الطفل ينتج عنه خسارة معرفية لا يمكن تعويضها بعد ذلك.

أما عن المفهوم الثاني.. فنجد الإنكار (وأعني هنا الإنكار بنوعيه الواعي وغير الواعي) لإمكان حدوث مشكلة نفسية لطفل يعيش في حماية والديه، وبالتالي يصبح هذان الوالدان أكثر استعدادا لإنكار وجود مشاكل نفسية لدى أطفالهما نظرا لما يعنيه ذلك من تقصير في دورهما كوالدين ناجحين لأنهما تسببا في إحداث مشاكل لدى طفلهما، ويجمع الرأي العلمي الآن أيضا، أن الأمراض النفسية ليست ناتجة عن المشاكل والعقد والتربية الخاطئة إلى آخر ذلك من مفاهيم، وإنما تنتج عن خلل كيميائي في عمليات المخ الحيوية أمكن إلى حد كبير قياسه، وكذلك تصوير ما يدل عليه من خلال تقنيات التشخيص الحديثة والتي تعطي صورا يمكن من خلالها أخذ فكرة عن حالة مناطق الدماغ المختلفة وظيفيا، أو أن هذا على الأقل أحد مظاهر الأمراض النفسية في الصغار والكبار على حد سواء. إن ظهور أعراض اضطراب نفسي على الطفل لا يعني بالضرورة فشل والديه في القيام بدورهما.. ولنأخذ مثلا الآن من دراسة بينت تأثير اكتئاب الأم على نمو المخ في الطفل حيث تبين في دراسة لداوسون (جامعة واشنطن) أن أطفال النساء اللاتي يعانين من الاكتئاب يقاسون من نقص ملحوظ في نشاط النصف الأيسر الأمامي من المخ وهو مرتبط بمشاعر البهجة والمرح وحب الاستطلاع، وعند بلوغ الثالثة من العمر يبدي هؤلاء الأطفال مشاكل سلوكية واضحة ولكن تبين أيضا أن الأمهات اللاتي يتغلبن على الاكتئاب قبل بلوغ أطفالهن الثالثة من العمر، أو ينجحن رغم الاكتئاب في إضفاء عناية ومحبة عادية على أطفالهن، يتغلب الأطفال بيسر على المشاكل التي عانوا منها من قبل، وفي هذا دليل على قدرة المخ الهائلة على التغلب على الصعاب التي تواجه مخ الأطفال الصغار بسبب فقر الاستثارة البيئية إذا تحسنت الظروف المحيطة بهم.

إن اكتئاب الطفل يؤدي إلى فقدان الاهتمام بالحياة وبالمشاركة مع الآخرين ويؤثر في قدرة الطفل الاستيعابية، أي قدرته على التعلم..

وإذا كنا قد عرفنا أن فترة الطفولة فترة لا تعوض من ناحية القدرة الاستيعابية للطفل، فإن التباطؤ في طلب العلاج للطفل المكتئب يعد جريمة في حقه، فمن المؤكد علميا الآن أن فترة السنوات العشر الأولى، وبوجه خاص فترة الأعوام الثلاثة من العمر تلعب الدور المحوري في تشكيل مكونات المخ البشري، وقدرات الإنسان العقلية طوال الحياة..

أما عن أنواع الاضطرابات النفسية التي تصيب الأطفال فالحقيقة أن كل منظومة الأمراض النفسية المعروفة في البالغين تحدث في الأطفال، وإن أخذت في بعض الأحيان شكلا خاصا بالمرحلة العمرية للطفل.. ويضاف إلى هذه المنظومة منظومة أخرى من الأمراض النفسية، تحدث أصلا للأطفال أي أنها تبدأ أعراضها في الظهور أصلا في سن مبكرة، ومن ذلك العديد من الأمراض المرتبطة بالمادة الوراثية أو الكروموسومات، وكذلك أمراض أخرى كفرط النشاط الحركي مع قلة التركيز وغيرها، ويضاف بعد ذلك كل ما يصاحب الأمراض العصبية المزمنة المعروفة بأنها تبدأ الظهور في فترة الطفولة من اضطرابات نفسية ثانوية مع الاكتئاب المصاحب للصرع، ومعنى ذلك أن عدد الاضطرابات النفسية التي قد تحدث للطفل أكثر بكثير من عددها في الكبار، وهذا عكس المفهوم الشائع، أما ما أود التنبيه له فهو اضطراب الاكتئاب واضطراب القلق في الأطفال نظرا لأنهما أكثر انتشارا، وأقل احتمالا للعرض على الطبيب النفسي، وبالتالي يترك الطفل من دون مساعدة تذكر ولا ينتبه أحد إلى مدى الخسارة التي يخسرها الطفل معرفيا ونفسيا واجتماعيا، لأن الأعراض التي تبدو على الطفل نادرا ما يفهمها الأهل أو يهتمون بها، فقد يعتري بعض الأطفال مزاج كئيب أحيانا يدفعهم إلى العزلة والانطواء وإظهار الاستياء من بعض الأشياء.. وربما يكون هذا شيئا عابرا، ولكن إذا استمر الوضع وتطور وأصبح هذا التغير يهدد صحة الطفل وحياته فإن الوضع يصبح مقلقا ولا بد من معالجته، وكذلك قد تظهر على الطفل أعراض القلق وتأخذ في أحيان كثيرة شكل الخوف من الذهاب إلى المدرسة أو الخوف من النوم وحيدا على غير عادته سابقا إلى آخر ذلك من أعراض، ومن المؤسف أن هذين الاضطرابين يتوفر لعلاجهما الكثير من الخيارات لدى الطبيب النفسي بعكس ما يعرض عليه عادة من اضطرابات نفسية في هذه السن، لم يتوافر لها العلاج المثالي حتى الآن كالنقص العقلي ومجموعة ذهانات الطفولة وانحرافاتها لكنها تجبر الأهل على اللجوء إلى الطبيب النفسي نظرا لغرابة أو شدة أعراضها.

أستاذ جراحة المخ والأعصاب - عميد طب الأزهر

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"