الإسلام دين يسر

12:39 مساء
قراءة 3 دقائق

قلنا في الحلقة السابقة إن التخلف الحضاري في العالم الإسلامي وراءه كم هائل من الأسباب أبرزها خمسة أسباب تحدثنا عن اثنين منها هما: إهمال العلم والحضارة، والاهتمام بالشكل الحضاري بعيداً عن الجوهر .

وفي هذه الحلقة نتناول الأسباب الثلاثة المتبقية .

نتج عن التوجهات البعيدة عن مقاصد الدين الحقيقية ظهور الكثير من أشكال التشدد والتطرف في فهم الدين وتعاليمه . وأصبح التشدد في أمور الدين، وبصفة خاصة في الأمور الهامشية، علامة واضحة على التدين .

وقد ترتب على هذا التشدد في أمور الدين على هذا النحو تحول سلبي في السلوك، حيث حلت الفظاظة والغلظة والعنف في التعامل محل الرحمة التي هي السمة الأساسية للإسلام . وانتشرت تهم الكفر والتحلل من الدين ضد من يعتقد أنهم متساهلون في أمور الدين، أو من لهم وجهة نظر مخالفة لهؤلاء المتشددين . وافتقدنا التسامح الإسلامي في مجتمعاتنا الإسلامية .

وقد نسي هؤلاء المتشددون، والمشددون على أنفسهم وعلى الآخرين، أن الإسلام دين يسر لا عسر، وأن الله سبحانه يريد بنا اليسر ولا يريد بنا العسر، كما جاء في قوله تعالى: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر، وأن الله وحده هو الذي سوف يفصل بين الناس يوم القيامة، كما نسي هؤلاء أن الله سبحانه وتعالى الذي وسعت رحمته كل شيء فتح باب الأمل على مصراعيه أمام كل الناس في قوله تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم .

والى جانب الآفات السابقة فإن التشرذم أصبح هو السمة الغالبة على علاقات شعوب الأمة الإسلامية في ما بينها، وبالتالي أصبح التضامن الإسلامي مجرد شعار نردده في المناسبات، لكنه شعار يخلو من أي مضمون .

ويعبر ذلك بشكل واضح عن حال المنظمات الإسلامية التي تعد انعكاساً لأوضاع الأمة وصورة لأحوالها، ويمكن أن نتعرف إلى ذلك عن طريق ذكر مثال واحد من بين أمثلة كثيرة، فحجم التجارة البينية بين دول العالم الإسلامي لا يتجاوز نسبة (8%) من حجم تجارة هذه الدول مع بقية دول العالم . والتعاون في بقية المجالات الأخرى ليس أسعد حظاً من ذلك .

ومن هنا فإنه ليس بالأمر المستغرب أن نرى العالم الإسلامي الذي يشكل سكانه أكثر من خمس سكان العالم قد أصبح مسرحاً مباحاً للصراعات المحلية والعالمية . ومطمعاً للقوى الكبرى، ولقمة سائغة في فم أعداء الأمة، وأصبح المسلمون في عالم اليوم أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام .

والواقع أن إلقاء نظرة على المشكلات الكبرى والصراعات المتنامية والأزمات الخانقة التي تحيط بعالمنا المعاصر تبين لنا أن عالمنا الإسلامي يحظى منها بنصيب الأسد .

ومن الأمور التي أصبحت شائعة في عالمنا الإسلامي أن الكثيرين يميلون إلى تعليق كل مشكلات المسلمين على شماعة الغير الذي نعتقد أنه يتربص بنا، ويخطط لمحونا كمسلمين من خريطة العالم . ويسترسل بنا التفكير ويمتد بنا الخيال للحديث عن تفاصيل التخطيط الخبيث من جانب الآخرين لنهب خيرات العالم الإسلامي، وتدمير اقتصاده وتجويعه، ومحاولات فرض القيم والمعايير الغربية على الشعوب الإسلامية . . إلخ .

ولا ينسى الكثيرون هنا الحديث عن مثالب المجتمعات الغربية وتدهورها الأخلاقي، وانحلالها الاجتماعي، وتخلفها الروحي، وفي المقابل يحلو لنا الحديث عما لدينا من قيم روحية وأخلاقية سامية تقينا من شرور هذه المجتمعات وتجعلنا أكثر رقياً في هذا الجانب . فإذا كانت المجتمعات الغربية قد قطعت أشواطاً كبيرة في سلم التقدم المادي فنحن أكثر تقدماً ورقياً على المستوى الروحي والأخلاقي من الغرب المتبجح بصناعاته وابتكاراته المادية .

وفي خضم تحمسنا لنقد الآخر وفضح عيوبه وانحرافاته وظلمه وقهره للشعوب وتفسخه على المستوى الاجتماعي وتحلله، على المستوى الأخلاقي والديني، ننسى أننا بذلك لا نسيء إلى الآخر، بل نسيء إلى أنفسنا، لأننا بذلك نتجاهل عيوبنا ونتغاضى عن نقد أنفسنا .

* وزير الأوقاف المصري الأسبق

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"