الإسلام يحث على الغيرة المعتدلة وينهى عن سوء الظن والتجسس

05:36 صباحا
قراءة 5 دقائق

الغيرة في العلاقة الزوجية شعور طبيعي يحافظ على الأسرة، حيث يسعى كل من الزوجين للاحتفاظ بالود والحب نحو الآخر، ومراعاة شعوره والاهتمام بأموره، لكن الغيرة سلاح ذو حدين، فالقليل منها يضبط العلاقة والكثير منها يفسدها ويعجل بانتهائها .

والواقع يؤكد لنا أن هناك بعض الأزواج والزوجات لا يفرقون بين الغيرة المعتدلة التي حثّ عليها الإسلام، والتي من دونها تصبح حياة الزوجين روتينية وباردة، وبين الغيرة الحمقاء التي تصل إلى الشك في كثير من الأحيان لتقضي على كل مشاعر الحب والمودة والعشرة الطيبة .

سألنا عدداً من العلماء عن الحدود بين الغيرة المحمودة وبين الشكوك والأوهام التي تسيطر على عقول بعض الرجال وتدفعهم إلى ارتكاب حماقات ضد زوجاتهم أو العكس .

في البداية يوضح أستاذ ورئيس قسم الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم في جامعة القاهرة، الدكتور حسين عبد الغني سمرة، أنه من المفترض في الزوج أن يكون غيوراً على زوجته، لأن شرفها شرف له ولأسرته، لكن الغيرة لا يجوز أن تتحول إلى ملاحقات ومطاردات وظنون، والغيرة المعتدلة من الأمور المحمودة التي تؤكد عمق العلاقة بين الزوجين، لذا ليس على المرأة حرج في أن تغار على زوجها وتتابع تحركاته وسلوكياته، لكن لا بد أن يحدث ذلك في حدود الاعتدال وعدم الشك، لأن الشك يدمر الحياة الزوجية .

حدود الغيرة

ويضيف كانت الغيرة في حب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين زوجاته، وكان يقول عن السيدة عائشة غارت أمكم، وقال صلى الله عليه وسلم إذا دخل أحدكم على أهله فوجد رجلا يزني بامرأته فليخرج ليلتمس البينة، قال له أحد الصحابة: يا رسول الله أيدخل أحدنا على أهله فيجد رجلا يزني بامرأته ثم يخرج يلتمس البينة؟! والله لئن وجدت ذلك لقتلتهما بسيفي هذا . فقال له الرسول: إنك لتغار، وإني لأغير منك والله أغير منا .

وهذه إشارة من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وجوب غيرة الزوج على زوجته، لكن ينبغي أن يفهم الرجل أن حدود الغيرة لا يمكن أن تصل إلى سوء الظن بها، واتهامها في عرضها وشرفها لمجرد أوهام أو بادعاء الغيرة عليها .

ويحذر د .سمرة من الاستجابة للوساوس التي يكون مصدرها الشيطان، فالشك يتسبب في أذى نفسي شديد للمرأة ويفقدها الثقة بنفسها، وقد يدفعها إلى إنهاء حياتها الزوجية مهما بلغ الحب لزوجها، هذا بخلاف الآلام والأضرار النفسية التي تحدث للزوج، لأنه يلاقي من التعب والعنت والمشقة والتفكير والغم والهم والحزن الشيء العظيم، وينصح د .حسين سمرة الأزواج والزوجات بحسن الظن، وإلا دخل الشيطان بينهما واستطاع التلاعب بهما وإفساد حياتهما بالأوهام الكاذبة، ويرى أنه يجب على الزوجين أن يبدآ حياتهما بالتزام تعاليم الإسلام في علاقتهما ببعضهما وعلاقتهما بالآخرين، فالزوجة إذا ابتعدت عن كل ما يثير شكوك زوجها وتجنبت مواطن الشبهات استطاعت اكتساب ثقة زوجها وتقدير واحترام المحيطين بها من الناس .

وينبغي عند مخاطبتها الرجال ألا تخضع في القول حتى تأمن على نفسها شر ذئاب البشر وأصحاب النفوس المريضة، يقول تعالى: فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفاً .

ثقة متبادلة

أما أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، الدكتور أحمد طه ريان، فيرى أنه لا بد أن يكون بين الزوجين ثقة متبادلة، لأن كلا منهما اختار الآخر ومال إليه وقرر أن يعيش معه وأن يتعاونا معا على البر والإصلاح ولا نرى عيبا في سلوك الرجل الذي يغار على زوجته أو أخته أو ابنته، وانطلاقا من قول الله تعالى في تصوير العلاقة الزوجية: هن لباس لكم وأنتم لباس لهن، وقوله: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف، فإن الإسلام أباح لكل من الزوجين الغيرة على الآخر في حدود الاعتدال .

ويرجع الدكتور طه ريان وجود الشك بين الزوجين إلى ضعف الوازع الديني وعدم التفريق بين الغيرة المشروعة والمذمومة التي تصل إلى حد الشك في السلوك والأخلاق وخصوصاً عند إهمال الزوجة زوجها في كثير من الأحيان، فلا تهتم بزينتها وهيئتها وكأنها زاهدة فيه، في الوقت الذي يراها أكثر اهتماما بمظهرها عند خروجها من البيت أو عند استقبال شخص معين، سواء كان قريباً أو صديقاً، وتعمد الرجل إهمال بيته وتأخره خارجه من دون سبب وكثرة علاقاته واتصالاته الهاتفية مع النساء ما يثير الشك في نفس زوجته واهتمامه الزائد بنفسه على غير عادته عند خروجه، كذلك عدم إلمام الزوجين بالضوابط الشرعية للغيرة المتبادلة بينهما حتى تخرج عن الإطار المسموح به ويسيطر الظن السيئ على النفوس .

. . ولا تجسسوا

وحول حق الزوجين في التجسس على الاتصالات والتحركات من منطلق الغيرة وحكم الدين في ذلك، يقول د .ريان: إذا كانت الثقة متبادلة لم يكن لأحدهما أن يتجسس على الآخر، لأن التجسس حرام شرعاً، لقوله تعالى: ولا تجسسوا، وإذا كانت هناك شبهة قوية من الزوج أو الزوجة، تتعلق بالعرض والشرف فإنه يجوز حينئذ أن يتفقد كل منهما صاحبه، وعندئذ لا يسمى تجسساً لكن يسمى تفقداً وتتبعاً للوصول إلى الحق الذي يطمئن إليه القلب، وعلى كل منهما أن يستفتي قلبه في ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم البر ما اطمأن إليه القلب وسكنت إليه النفس، وإن أفتاك الناس وأفتوك وأفتوك وأفتوك .

لذلك فإننا نوصي الزوجة بأن تبتعد عن كل ما يثير حفيظة زوجها وما يحمله على الشك في سلوكها، كما نوصي الزوج بأن يكون متأنياً في أحكامه وقراراته وأن يحسن الظن في الآخرين، لا سيما شريكة حياته، ولا يطلق لنفسه العنان في الشك، لأن ذلك من عمل الشيطان يريد أن يفسد العلاقة الزوجية، يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم .

وترى أستاذة علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، الدكتورة نجوى الفوال، أنه يجب على الزوجين عدم إطلاق التهم من غير دليل، وعدم إسقاط تجارب الغير على العلاقة الزوجية، فالبعض يحلو له تدمير البيوت وهدمها بإلقاء التهم ووضع بذور الشك من دون دليل، ولابد لكل زوج أن يعرف أن من حق زوجته أن تغار عليه من نظرات النساء ومن علاقاته بزميلاته، ولا يغضب عندما تسأله كل يوم عن تفاصيل تصرفاته، وأن الزوجة أمام غيرتها وحبها لزوجها تكون مسلوبة الإرادة، كما يجب على الزوجة أن تتفهم أن زوجها لا يستطيع الحياة في مجتمع ذكوري 100% فلا يتعامل مع زميلاته وهذا ليس معناه أن تنشأ بينه وبين إحداهن علاقة .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"