الإسلام يرفض زواج الإكراه

الأسرة المسلمة
13:20 مساء
قراءة 7 دقائق

لا يمكن أن تبدأ علاقة زوجية وتستمر ويكتب لها النجاح والاستمرار إلا إذا بدأت عن رغبة حقيقية ورضا تام وقناعة من الرجل والمرأة، ولذلك جعل الإسلام وهو الحريص على استقرار الحياة الزوجية رضا الفتاة شرطاً لصحة الزواج، ورفض كل صور الإكراه التي يلجأ إليها بعض أولياء الفتاة لإجبارها على الزواج من رجل لا تريده .

تجارب الحياة تؤكد أن كل زواج بدأ بالإكراه ولم تسبقه أو تصاحبه رغبة جامحة من طرفي العلاقة الزوجية انتهى بالفشل، ورغم ذلك لا يكف الآباء والأمهات والإخوة والأخوات عن التدخل للتأثير في قرار صاحبة الشأن وهي الفتاة التي ستتزوج وتذوق طعم السعادة لو أحسنت الاختيار، أو تعيش حياة عذاب وبؤس لو تسرعت وارتبطت بإنسان سيئ الخلق وغريب الطباع .

في البداية يؤكد أستاذ الطب النفسي، د . محمد حمودة، أن العلاقات الزوجية من المستحيل أن يكتب لها النجاح بين طرفين متنافرين، لا يقبل أحدهما الآخر، فالرجل بالنسبة لزوجته وهو مصدر سعادتها وراحتها النفسية وهو الإنسان الذي ستسلم له نفسها عن رغبة ورضا لكي يستفرغ طاقتها الجنسية ويرتقي بمشاعرها العاطفية، ولذلك هو كل حياتها وفارس أحلامها ومن تحبه ليل نهار، وإذا لم يكن للرجل رصيد من الحب والتقدير لدى من سترتبط به وتعيش معه وتشاركه حياته، فلن يحدث أي شيء من ذلك، ولذلك لا بد أن تبدأ العلاقة الزوجية برغبة من الطرفين .

حوار مطلوب

من هنا يدين أستاذ الطب النفسي سلوك الآباء وكل أفراد الأسرة الذين يحاولون إكراه فتاة على الزواج من شاب لا تريده، أو التأثير في قرارها لهوى في نفوسهم بعيداً عن مصلحتها . . ويقول: الحوار الأسري مهم للغاية حول العريس الذي تقدم لإحدى بنات الأسرة، وهدف هذا الحوار إنارة الطريق أمام الفتاة لكي تحسن الاختيار، وهذا الحوار لا بد أن يكون هادئاً ويعتمد على وسائل إقناع حقيقية بعيدا عن المبالغات والأوهام والتوقعات التي تستهدف تخويف الفتاة من الارتباط بشاب تريده وترى فيه فارس أحلامها من دون وجود أدلة وبراهين مقنعة .

ويقول: في ظل غياب هذا الحوار يظهر تسلط الأب وتجاوزه لحدود مسؤولياته الشرعية في التعامل مع ابنته ومصادرة حقوقها وفي ظل غياب هذا الحوار تكون هناك حواجز نفسية بين الآباء والأبناء ولا يكون هناك تفاهم وثقة متبادلة بين الطرفين، وينتهي الأمر إما برضوخ البنت لرغبة الأسرة وقهر الأب، أو هروبها من البيت، كما تفعل بعض الفتيات، وقد ترتكب الفتاة المقهورة والمكرهة على الارتباط بشاب لا تريده جريمة ضد نفسها أو أحد أفراد الأسرة، وقد يكون الضحية هو من تقدم للزواج منها وتضيع الفتاة نتيجة عنف الأب وقسوته ومصادرته لأبسط حقوق ابنته وهو حقها في اختيار شريك حياتها .

ويرى د .حمودة أن الحواجز النفسية بين البنت ووالدها هي التي تعقد الأمور، ويقول: لو كانت هناك ثقة متبادلة لتم تقريب وجهات النظر وحسمت المسألة باقتناع الأب بوجهة نظر ابنته أو اقتناع البنت بوجهة نظر والدها، فكل أب حريص على ابنته وعلى مصلحتها واستقرار حياتها في بيت زوجها، ولو شعرت الفتاة بذلك لطمأنت والدها واستمعت بإنصات لنصائحه وتوجيهاته .

تحذير للآباء والأمهات

لكن يحذر د .حمودة الآباء والأمهات من التدخل العنيف في حياة أبنائهم وبناتهم خاصة في القرارات المصيرية، ويرى أن إجبار الفتاة على الزواج من شاب بعينه لا ترضاه ولا ترتاح له أمر مرفوض تماما لأن نتيجته كارثية على مستقبل حياتها ويقول: على الأسرة أن تدرك أن الزواج من الأمور التي ينبغي أن تتم بالتراضي والقبول ولا بد أن تصحبه رغبة واضحة من الطرفين خاصة البنت لأنها التي ستعاشر الزوج وتعيش معه، فلا بد أن تكون راضية، لذلك لا يصلح أسلوب القهر والإرهاب لعلاج مثل هذه المواقف، وعندما تصر الفتاة على الزواج من شخص معين فعلى الأسرة - خاصة الوالدين - أن يقدما لها النصيحة ويظهرا عيوب هذا الإنسان ومبررات رفضه فإن وجدت الأسرة منها إصراراً فعليها ألا تكرهها على اختيارها في الرفض أو القبول .

وهنا يوجه د .محمد حمودة كلمة للآباء والأمهات الذين يحاولون إجبار بناتهم على الزواج من أناس لا يسترحن لهم، قائلاً: نحن نعلم أن دافعكم إلى ذلك حرصكم الزائد على راحة بناتكم وتحقيق الاستقرار لهن في حياة زوجية هادئة . لكن غالبا ما يحدث العكس لأن الفتاة التي يتم إجبارها على الزواج ممن لا ترغب فيه تحرم من السعادة الزوجية فالحياة الزوجية تبنى على الرضا والمودة والرحمة ولا يمكن أن تبدأ وتستمر بالإكراه .

لذلك أنصح كل الآباء والأمهات بأن يستمعوا إلى بناتهم جيداً، وأن يتحاوروا معهن حول هذا الأمر المهم والقرار المصيري، فالحوار الهادئ العقلاني سيؤدي حتماً إلى نتيجة واحدة وهي اقتناع الأب أو الأم بوجهة نظر ابنتها أو اقتناع البنت بوجهة نظر والديها . وفي كل الأحوال سيتم اتخاذ القرار المناسب برضا كل الأطراف .

عواقب وخيمة

الدكتور نبيل السمالوطي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة الأزهر، يرى أن الاعتقاد أن الفتاة غير مؤهلة لاتخاذ قراراتها بنفسها ولا بد لولي الأمر سواء كان الأب أو الأم أو الأخ أن يختار لها من يناسبها، هو في حقيقة الأمر اعتقاد خاطئ، لذلك يحذر كل ولي فتاة من محاولة قهرها بالزواج ممن لا تريد، أو رفض الزواج ممن تريد، لأن هذا السلوك تجاه الفتاة يولد لديها شعوراً بانتزاع هويتها في يوم وليلة فتتحول من إنسانة لها حقوق كأي فرد في الأسرة والمجتمع إلى إنسانة بلا صلاحيات في اتخاذ أخطر قرارات حياتها .

ويضيف: إن هذه التجربة المريرة تضع الفتاة في ضغوط نفسية وعصبية وجسدية شديدة، ومعظم هذه الحالات تبدأ في رحلة طويلة مع الأمراض النفسية التي قد تتحول إلى أمراض جسدية، خصوصا إذا لم تستطع التكيف مع هذا الزواج .

ويرى الدكتور السمالوطي أن إجبار الفتاة أو الشاب على زيجة معينة يؤدي إلى حدوث خيانة زوجية، لأن هناك طرفا دخل الزواج مرغما فلن يجد نفسه فيه، والأخطر من ذلك أنه يؤدي إلى اضطرابات داخل الأسرة فهذه البنت التي انتهكت حقوقها وتزوجت رغما عنها من دون أن تستطيع اتخاذ قرارها بنفسها لن تهتم بتعليم أولادها كيف يتخذون القرارات المتعلقة بالقضايا المصيرية في حياتهم وبالتالي قد يحدث فساد عام في التكوين الثقافي للأسرة .

ويؤكد أن الزواج رباط متين ترتبط به القلوب وتتآلف به الأسرة وتنمو به الصلات الاجتماعية وتتشابك به المصالح، ولكل ذلك ولخطورة الزواج وما له من قداسة في النفوس ومكانة في النظام الاجتماعي لا بد من استشارة البنت في أمر زواجها لأن إكراه الفتاة على زوج لا ترغب في معاشرته يؤدي إلى فقدان الغرض المطلوب من الزواج، بل يؤدي في كثير من الأحيان إلى الشجار وإصابة الزوجة بالإحباط والأمراض النفسية، وقد يؤدي إلى الطلاق في نهاية الأمر .

سلوك شاذ

أستاذ الثقافة الإسلامية بكلية أصول الدين بالقاهرة، د .علي السبكي، يصف الآباء والأمهات الذين يجبرون بناتهم على الزواج ممن لا يشعرن تجاههم بعاطفة بالظالمين الذين يعيشون في عصر الجاهلية الأولى، ويؤكد أن هذا السلوك الشاذ يسيء كثيراً للإسلام لأن البعض يربط بينه وبين تعاليم الشريعة التي تعطي للرجل حق القوامة داخل الأسرة .

ويقول: الحوار بين ولي الأمر والفتاة في أمر الزواج يصل بالأسرة إلى اتخاذ القرار الصحيح الذي يحقق مصلحة كل الأطراف، وهذا يعد ضرورة لأن أول شروط الزواج في الإسلام هو الإيجاب والقبول، وهذا الإيجاب والقبول لا يكون بين الأسر ولكنه في المقام الأول يكون بين الراغبين في الزواج من شبان وفتيات فلا يكفي أن يوافق ولي الفتاة سواء أكان أباً أم أخاً انطلاقاً من حساباته الخاصة، ولا يكفي أن ترى الأسرة في من يتقدم للزواج من ابنتهم ما تتمناه، بل لا بد أن تشاركهم الفتاة هذا الرأي وأن تبدأ الموافقة منها .

ويضيف: إن دور الأسرة هنا هو تقديم النصيحة لها انطلاقاً من خبرتها الواسعة في الحياة، لأن خبرة الفتاة محدودة، ثم بعد ذلك يكون القرار قرارها ومناقشتها في قرارها الإيجابي أو السلبي لا ينبغي أن تحمل أي شكل من أشكال الإكراه . وأحيانا تكون الفتاة عاقلة ورشيدة وأعرف بمصالحها من أبيها لأن لها في الرجال نظرة تختلف عن نظرته، والفتاة تريد من زوجها غير ما يريده أبوها منه . فهي ستكون لزوجها لباساً وفراشاً وسيكون لها ضجيعاً وسكناً . فكيف تعاشره معاشرة طيبة وتؤدي له حقوقه كما ينبغي وهي لا تحبه ولا تميل إليه ولا ترضاه؟

لكن د .السبكي ينصح كل فتاة بألا تترك لمشاعرها العنان فتتخذ قراراً متهوراً يهوي بها إلى قاع سحيق، فلا بد أن يكون العقل قبل العاطفة . والخبرة فوق التهور، والوعي فوق الخداع .

أول حقوق الفتاة

وتتفق معه د .ملكة يوسف، أستاذة الشريعة الإسلامية، موضحة أن الحق في اختيار الزوج هو أول حق أثبته الإسلام للفتاه في إنشاء الحياة الزوجية، وتقول: إن زواج البنت كرها من رجل لا تريده هو في حقيقة الأمر زواج باطل . فمن شروط صحة الزواج الإيجاب والقبول بين الطرفين، وإذا كان الأب أو الأخ ينوب عن ابنته أو شقيقته في عقد الزواج فلا بد أن تكون الفتاة راضية وأن يعلم كل أفراد الأسرة بذلك . أما إذا أجبرت الفتاة على الزواج ممن تكره فمن حقها أن تطالب بفسخ عقد الزواج أمام القضاء . بل إن بعض الفقهاء قالوا بحق المرأة البالغة الرشيدة في أن تزوج نفسها بمن تشاء شرط توافر الكفاءة فيه . وليس لوليها حق الاعتراض عليها، إلا إذا زوجت نفسها من شخص غير كفء لها، أو كان مهرها أقل من مهر مثلها .

وتضيف: لا يجوز للأب أو الشقيق أو العم إجبار الفتاة على الزواج لأن هذا هو العدل الواجب والحق الطبيعي الذي منحه الإسلام للمرأة . فالزواج حياة مشتركة وعلاقة فيها مقصد الدوام والاستمرار وليس لقاء عابراً ولا نزوة طارئة فأوجب الإسلام استئذان الفتاة قبل تزويجها فقال الرسول الكريم: لا تنكح الثيب حتى تستأمر ولا تنكح البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟، قال: أن تسكت .

وبناء على ذلك فقد قرر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن كل عقد يقع دون إذن المرأة هو باطل ومردود .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"