الاضطرابات النفسية.. أسباب متنوعة وعلاجات جديدة

00:37 صباحا
قراءة 8 دقائق
تحقيق: راندا جرجس

تفوق المعاناة من المشكلات النفسية، آلام الجراحات والأمراض العضوية المزمنة، ولا تكاد دولة تخلو منها، كما أنها لا تمثل عبء على الشخص المصاب فحسب، ولكنها أيضاً تتضمن أسرته وجميع المحيطين به، وخاصة التي يرافقها أعراض الهلاوس بأنواعها، الشك، والاضطرابات السلوكية، أثبتت أن انتشار الاضطرابات النفسية تكون نتيجة لأسباب متصلة ببعضها نفسية، بيولوجية، واجتماعية، وأشارت إلى أن 7% يعانون من الاكتئاب النفسي، 1% من الفصام، و3% من الوسواس القهري، وثلث البشر مصابون بالقلق.
يقول الدكتور طلعت مطر استشاري الأمراض النفسية، إن كلمة الذهان تعود إلى اضطراب في الذهن (العقل)، وهو مجموعة من الأمراض العقلية لها أعراض ومظاهر مشتركة، أهمها فقد الاتصال بالواقع، اضطراب في التفكير والإدراك والمشاعر، فلا يستطيع المريض أن يفكر بطريق منطقية، وهو ما نسميه بالضلالات أي الاعتقاد بمعتقدات خاطئة دون دليل أو برهان، بأن يعتقد أنه مضطهد من الآخرين، أو من يراقبه ويريد قتله، أو يتعرض للهلاوس السمعية كسماع أصوات تتحدث معه، أو تأمره أو تعلق على تصرفاته دون أن يكون هناك أحد، وكذلك رؤية أشياء ليس لها وجود في الواقع، وعلى نفس النحو الهلاوس اللمسية أو الشمية، وتشمل أيضاً الاضطرابات المشاعر، مثل: الحزن أو الفرح غير المبرر، ما ينعكس على السلوك الذي يلاحظه المحيطون به، حيث إن الذهاني غالباً ما يكون فاقداً للبصيرة، ولا يدرك أنه يعاني من مرض نفسي، وربما يكون خطراً على حياته أو حياة الآخرين.

أسباب الذهان

يوضح د.طلعت أن الإصابة بالذهان تعتمد على أكثر من سبب، ومن أهمها الاستعداد الوراثي، ولا يقصد أنه يورث تلقائياً، ولكن يكون لدى الشخص استعداد جيني، وأيضاً الخلل في توازنات الموصلات العصبية في المخ، وهناك أسباب اجتماعية مثل التفكك الأسري أو الضغوط الاجتماعية التي لا يستطيع الشخص التكيف معها، ولذلك يجب الانتباه حيث إن هناك بعض الحالات التي يتطور فيها الذهان بشكل مفاجئ إلى الحاد، ولكن عندما يحدث بطريقة بطيئة، متسللة، ومستمرة يسمى الذهان المزمن، وتتراوح شدة الأعراض الذهانية من شديدة إلى متوسطة الشدة، وربما تظهر بطريقة خفيفة وغير ملحوظة لا يلاحظها حتى الأقربون، ما يتسبب في تأخر فاعلية العلاج، مثلما يحدث للمريض في مرحلة المراهقة حيث ينسحب الشاب تدريجياً من النشاطات الاجتماعية، تدهور تدريجي في تحصيله الدراسي، الاهتمام بأشياء غريبة على غير عادته، يفضل الوحدة لساعات طويلة في غرفته، ويظن الأهل أن ذلك طبيعي في هذه المرحلة العمرية أو أنه يقرأ أو يشاهد الإنترنت، كما يلاحظ عليه الوقوف أمام المرآة والابتسام دون سبب.

أنواع الذهان

يذكر د.طلعت أن هناك أشكالاً مختلفة من الذهان، ترافق جميعها في الأعراض والعلامات التي ذكرناها مسبقاً، وتتمثل هذه الأنواع في :-
* الذهان الحاد غير المحدد، وهى الإصابة التي لم تتخذ بعد شكلاً معيناً، من الأمراض المعروفة مثل الفصام.
* الذهان الحاد التفاعلي، الذي تنشأ فيه الأعراض بطريقة سريعة نتيجة لضغوط نفسية مفاجئة.
* الاكتئاب الذهاني، وهو النوع من الاكتئاب الشديد، المصحوب بأعراض ذهانية.
* الاضطراب الوجداني ثنائي القطب، وهو عبارة عن اضطراب يتناوب فيه المريض على نوبات من الاكتئاب والهوس، ولكنه مصحوب بأعراض ذهانية كالضلالات والهلاوس.
* الذهان العضوي، الذي ينتج عن مرض ظاهر في المخ مثل الأورام، الجلطات، النزيف، التهابات، اضطرابات هرمونية، وربما ينتج عن أمراض جسمية تؤدي إلى خلل في الهرمونات، وكيمياء الجسم مثل الفشل الكبدي، مشكلات الغدة الدرقية، أو ارتفاع البولينا.
* الذهان الناتج عن تعاطي المواد المؤثرة على العقل، مثل تعاطي المخدرات، ومشتقات الأمفيتامين.

علاج الذهان

يشير د.طلعت إلى أن علاجات الذهان تكون عن طريق أكثر من جانب، وهى عبارة عن علاج دوائي بالعقاقير المضادة للذهان، تكون على شكل حبوب أو حقن طويلة المفعول لإعادة التوازن في كيمياء المخ، وأيضاً العلاج التأهيلي الذي يساعد المريض على الاندماج في المجتمع ومساعدته على التكيف مع الواقع وضغوطات الحياة، وهناك العلاج بالجلسات الكهربائية أو ما يسمى بجلسات تنظيم إيقاع المخ وتهدف إلى إعادة النشاط الكهربي في المخ إلى طبيعته، وتستخدم في بعض أنواع الذهان الحاد والاكتئاب الذهاني والفصام الكتاتونى، أما العلاج النفسي فهو محاولة لتصحيح الاضطراب بطرق أخرى غير الطرق الدوائية، ويكون كجزء تكميلي من خطة العلاج، ومنه النوع المعرفي، السلوكي، والعلاج الجماعي، إحياء المعنى وغيرها، وأخيراً العلاج الأسري، حيث يجب توعية أسرة الشخص المصاب، وكيفية التعامل معه، وأهمية المواظبة على العلاج، ومتابعة الأعراض الجانبية للعلاجات المختلفة وكيفية التعامل معها.

مرض الفصام

يوضح الدكتور أحمد الشافعي، استشارى الأمراض النفسية أن الفصام يعتبر مرضاً عقلياً يؤثر في التفكير، العواطف، والسلوك، وهو أكثر أنواع الذهان شيوعاً، حيث تصل نسبته إلى 1%، وتبدأ الإصابة به عادة من سن 17إلى 42 سنة، ويستمر لفترة طويلة، ما يجعل المصاب عاجزاً تماماً عن أداء واجبات نشاطاته الاجتماعية والحياتية، وهناك بعض المفاهيم المغلوطة عن الفصام المنتشرة بين الناس، حيث إنهم يعتقدون أن المريض يكون طبيعياً، ثم يتحول إلى شخص آخر تحت الضغوط، ويتصرف أثناء ذلك بطريقة مغايرة تماماً لطبيعته، وتكون في صورة الرغبات المكبوتة، ولكن هذه المعتقدات خاطئة تماماً، حيث إن الفصام مختلف تماماً عن انفصام الشخصية.

أعراض الفصام

يذكر د.الشافعي أن أعراض الفصام تختلف من مريض إلى آخر، وهناك نوعان من هذه العلامات وهما: الموجبة والسالبة، حيث تكون الأعراض السالبة أكثر شيوعاً بنسبة 70% من المرضى، وحوالي 10% ترافق حالتهم العلامات الموجبة، وهناك 20% يأتون بمزيج من الاثنين، وفي أغلب الحالات المرضية نجد أن المرض يتطور بشكل تدريجي وبطيء بحيث لا يمكن تمييزه، ثم يكون المسار مزمناً بعد ذلك ولكن بعض المصابين تتدهور حالتهم بشكل سريع خاصة إذا بدأت بالأعراض الموجبة.
* الأعراض الموجبة، وهى تشمل الضلالات، حيث يؤمن المريض بأفكار أو اعتقادات خاطئة، بشكل غير قابل للنقاش، وكذلك ترافقها الهلاوس المرئية، السمعية...إلخ، التي لا صحة لها وغير موجودة في الواقع.
* الأعراض السالبة، وهى أقل وضوحاً من الموجبة، حيث يعاني المريض من الانطواء والعزلة، ويهمل الاعتناء بنظافته الشخصية، مظهره، يفقد الاهتمام بواجباته العائلية، الوظيفية، والاجتماعية، وعادة ما تتقلص قدراته المعرفية و الذهنية فتؤثر على الدراسة والعمل، كما أنه يفقد الدافع والحماس لأداء واجباته، أو للقيام بمسؤوليات الحياة، وتصبح مشاعره متبلدة فيكون غير متفاعل مع أحداث الحياة، وتكمن المشكلة في صعوبة فهم هذه المشكلات من قبل المحيطين به، ولا يعتبرونها مرضاً أو حتى حالة غير طبيعية، ويعتقدون أن الشخص كسلان أو خجول، ما يؤخر استشارة الطبيب، ويؤثر سلباً على شفاء المرض.

علاج الفصام

يشير د.الشافعي إلى أن مضادات الذهان، هي مجموعة من العقاقير التي تستخدم لعلاج الفصام، وخاصة الحالات ذات الأعراض الموجبة، التي تكون مزعجة للمريض ومن حوله، ومن ثم استعادة الحياة الطبيعية للفرد، وعادة ما يحتاج الشخص للاستمرار على هذه الأدوية لفترات طويلة، مع المتابعة مع الطبيب النفسي المعالج، لكى يصف الدواء المناسب للمريض والجرعة الفعالة، لتفادي التأثير العلاجي، والأعراض الجانبية قدر المستطاع والتعامل معها عند حدوثها.

مرض العصاب

تفيد الدكتورة أماني عثمان مختص الطب النفسي أن العصاب من الأمراض النفسية، اضطرابات الجهاز العصبي، أو الأعراض الجسدية التي يعجز عن الوصول لسببها، ولا يوجد سبب عضوي لها، ويطلق اضطراب العصاب على الشخص الذي يدرك علامات مرضه، ويعرف أن لديه معاناة تحتاج إلى مساعدة، فهو على اتصال كامل بالواقع وبكل الأحداث والأشخاص ممن حوله، ويتسم سلوكه بالمنطقية والتصرف بما يتلاءم مع مجتمعه المحيط فهو لا يعاني من هلاوس أو ضلالات، وتنقسم الاضطرابات العصابية إلى:-
* العصاب الهستيري، وهو يتسم بوجود أعراض جسدية ليس لها تبرير عضوي، وتكون أغلب الأعراض مماثلة لاضطراب الجهاز العصبي (العمى، شلل الوجه أو الأطراف أو تنميلها، والخرس العصبي)، وهو أكثر شيوعاً بين السيدات، ويعرف هذا الاضطراب بأنه ينتج بشكل لاشعوري عندما يفقد المريض قدرته على التعبير عن غضبه في الضغوطات والمواقف الأليمة، ليجد الجهاز العصبي مخرجاً لهذا بالتعبير الجسدي للتخفيف من حدة المعاناة النفسية المكبوتة.
* العصاب القهري أو ما يسمى باضطراب الوسواس القهري، وهو عبارة عن معاناة الشخص المصاب من وجود أفكار دخيلة، صور عقلية متكررة، دوافع ربما تكون غير مرغوب فيها أو منافية للمبادئ التي يؤمن بها، ما ينتج عنه قهر للمريض وشعوره بالذنب، ويقوم بأفعال متكررة للتخلص من القلق بشكل مؤقت، وربما ينجح في ذلك ولكن تلك الوساوس تعود مرة أخرى، ما يؤثر سلباً علي الوظيفة الحياتية له.
* عصاب القلق، وهو الشعور بخطر ما، غير موجود بالفعل في الوقت الحالي، مثل خوفه على المستقبل أو صحة أفراد أسرته، ويكون كنوع من التوجس من المجهول، ويتبع هذا الخوف عصبية زائدة أو اضطراب في النوم.
* العصاب الرهابي، وهو خوف شديد، زائد بشكل مرضي من أشياء معينة (قطط، مرتفعات، أماكن مغلقة، ركوب الطائرة) أو يهاب مواقف اجتماعية معينة، كالتحدث أمام الغرباء وخاصة عند وجود مجموعات كبيرة من الأشخاص، وأهم ما يميز هذا الاضطراب هو أن المريض يتجنب مواجهة هذه الموقف لعدم حدوث نتائج كارثية من وجهة نظرة.

أسباب العصاب

تذكر د.أماني أن اضطراب العصاب يستهدف كلاًّ من الجنسين، وخاصة في العمر ما بين (20-40) عاماً، وترجع أسباب الإصابة به إلى وراثية وجينية، ضغوط حياتية وعوامل بيئية تراكمية، التنشئة الاجتماعية، حيث إن اختلاف الوالدين في أنماط رعاية الطفل ونقص ثقتهم في دورهم كآباء والجو الأسري غير المستقر ومشاعر القسوة والنبذ والكره والتدليل الزائد تعتبر محددات أساسية في تكوين ردود الأفعال العصابية، العوامل المرسبة وهى الأسباب والعوامل التي تسبق ظهور المرض النفسي مباشرة وتساعد في ظهوره وتعد الصدمات أو الأزمات التي يواجهها الفرد، وكذلك أسباب بيولوجية لعدم توازن في الناقلات العصبية الكيميائية والهرمونية في المخ وهي من أشهر أنواع الخوف.

تشخيص العصاب

تبين د. أماني أن تشخيص مرض العصاب يتم عن طريق التاريخ المرضي للشخص المصاب، وعمل فحوص مختبرية، كوظائف الغدة الدرقية، صورة الدم، مستوى الفيتامينات في الدم، وربما يستدعي الأمر لعمل أشعة مقطعية على المخ، رنين مغناطيسي، أو رسم مخ لاستبعاد الأسباب العضوية وذلك في حالات معينة، وذلك لتجنب المضاعفات التي ربما تحدث نتيجة اكتشاف المرض، وعدم التدخل المبكر، حيث يمكن أن يتعرض المريض للانتحار، إدمان المواد المخدرة، فقدان الوظيفة، الفشل الدراسي، التشتت الأسري كالانفصال أو الطلاق.

نصائح علاجية

توصي د.أماني بضرورة أن يخضع مريض العصاب إلى العلاج النفسي عن طريق جلسات العلاج المعرفي السلوكي التي تتم بواسطة الطبيب النفسي أو مختص علم نفس، وكذلك إعطاء علاج دوائي عن طريق استخدام العقاقير الطبية المضادة للقلق والمضادة للاكتئاب، وهناك بعض الإرشادات التي يجب على الوالدين الانتباه لها في التعامل مع المصاب وهى كالآتي:-
- تفهم الحالة المرضية للشخص المصاب وتقدير معاناته، كما الحال مع إصابته بمرض عضوي.
- عدم الضغط النفسي بتحميله مسؤولية شفائه وإلقاء اللوم على المريض بأنه ضعيف الإرادة أو الإيمان أو اتهامه بالبعد عن الطقوس الدينية.
- تشجيع المريض على أخذ الدواء حسب وصف الطبيب ومرافقته لزيارة طبيبه بشكل دوري للمتابعة.
- تحمّل ما يصدر من المريض أحياناً كالعصبية الزائدة، الانعزال، عدم النشاط، ومتابعة الطبيب المعالج في حال الارتياب بتصرفات المريض.

الإسعافات الأولية للصحة النفسية

قامت منظمة الصحة العالمية مؤخراً، بتوفير نوع من الدعم النفسى للأشخاص المتضررين من العنف، التمييز، الكوارث، أو الحروب في العالم، تحت مسمى «الإسعافات الأولية للصحة النفسية»، يحتوي على برامج إنمائية وإنسانية طارئة، وخاصة للأشخاص المحتاجين إلى عناية خاصة خلال الأزمات، كالأطفال والمراهقين، للتخلص من مخاوفهم، وتأهيلهم لمواجهة المزيد من الأضرار، حتى يشعروا بالأمان، وتعزيز الأمل بداخلهم، وتجنيبهم الصدمات النفسية مرة أخرى، وخاصة الذين فقدوا أسرهم، أو من تعرضوا للإعاقة الجسدية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"