الاعتكاف عبادة رمضانية تحقق فوائد ومكاسب كثيرة لكل من يحرص عليها ويلتزم بآدابها وشروطها وأخلاقياتها . . هذه العبادة تضفي على النفس سكينة وطمأنينة وتريح المسلم من هموم الحياة ومشكلاتها ومتاعبها لفترة من الزمن يستجمع الإنسان فيها نشاطه الذهني وطاقته العقلية بعد أن يعيش أياماً وليالي في جو روحي بعيداً عن كل الشهوات والمطامع الدنيوية والصراعات المادية التي تزخر بها حياتنا المعاصرة ولا يسلم منها غني ولا فقير .
الاعتكاف من العبادات القديمة كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود .
والاعتكاف كما يقول الدكتور سالم عبدالجليل وكيل وزارة الأوقاف المصرية سنة ويتأكد في العشر الأواخر من رمضان، ويصير واجباً إذا أوجبه الإنسان على نفسه، بأن نذر أن يعتكف يوماً أو يومين فإن الوفاء بالنذر واجب .
وقد ثبتت مشروعية الاعتكاف بالكتاب والسنة والإجماع . . ففي القرآن الكريم يقول الحق سبحانه: ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد أي: لا تجامعوا زوجاتكم خلال اعتكافكم في بيوت الله تعالى .
وأما السنة النبوية فمنها ما رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده .
وصح في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً .
لماذا نعتكف؟
ومن الحكم التي من أجلها شرع الاعتكاف كما يقول الدكتور سالم الإكثار من العبادة والطاعة والتقرب إلى الله تعالى، والتخفف من مشاغل الحياة ومتعتها وشهواتها والتأمل في ملكوته تعالى، ومداومة شكره على نعمه، فإن الشكر على النعم يوصل إلى المزيد منها، كما قال تعالى: لئن شكرتم لأزيدنكم
ويضيف: الإسلام دين حركة وحياة ويرفض كل صور الرهبنة والانقطاع للعبادة وتعطيل عجلة الحياة، ولذلك جاءت توجيهاته للإنسان أن يعمل وينتج ويقضي حاجات الناس قبل أن يفكر في العبادة فإذا جاء وقت الصلاة أدى ما عليه من فريضة خلال عمله ثم يعود لمواصلة الحياة والكفاح . . وفي فريضة الصوم يرفض الإسلام أن يصوم الإنسان ويتوقف عن العمل والإنتاج، بل جاءت تشريعاته العادلة والمتوازنة تبيح للإنسان الذي يعمل عملاً شاقاً أن يترك صوم الفريضة من أجل العمل .
كل هذه الشواهد وغيرها تؤكد رفض الإسلام للعزلة وحياة الرهبنة الموجودة في شرائع أخرى . . لكن الأمر في الاعتكاف يختلف فهو ليس رهبنة بالمفهوم المعروف للرهبنة، بل هو عزلة مؤقتة عن شواغل الحياة وهمومها، وحمام روحي لهموم النفس وشواغلها .
والسؤال الذي يتبادر إلى أذهان الكثيرين هنا هو: لماذا كان الاعتكاف سنة مؤكدة في العشر الأواخر من رمضان؟ ولماذا كان رسول الله يعتكف عشرة أيام في أواخر رمضان زادها إلى عشرين في رمضان الذي رحل بعده إلى الرفيق الأعلى؟
يقول الدكتور سالم عبدالجليل: الإكثار من العبادة في العشر الأواخر من رمضان له ما يبرره، فهذه الأيام هي ختام الشهر المبارك، والأعمال بخواتيمها، ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اجعل خير أيامي يوم ألقاك، وخير عمري أواخره، وخير عملي خواتمه .
وإلى جانب ذلك فإن هذه الأيام المباركة فيها ليلة القدر، وكل إنسان حريص على التوبة والمغفرة والخروج من شهر رمضان بأكبر المكاسب لابد أن يجتهد في العبادة ويعتزل اللهو والعبث الذي يزخر به رمضان الآن وينفرد بنفسه ليراجعها ويحاسبها ويقومها ويطلب العفو والمغفرة من الخالق عز وجل .
ومن شروط الاعتكاف كما قال الفقهاء النية، والطهارة من الحدث الأكبر، فلا يصح من جنب، ولا من حائض أو نفساء، والصوم، وذلك عند الحنفية والملكية أما الشافعية والحنابلة فلم يشترطوا الصوم لصحة الاعتكاف . وأن يكون الاعتكاف في المساجد لقوله تعالى: ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد . . فلو كان الاعتكاف في غير المساجد جائزاً لما كان لهذا التخصيص فائدة، لأن المباشرة محرمة في الاعتكاف مطلقاً .
ومما يعمق صفاء النفس ويشرح الصدر ويمنح الإنسان السكينة أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد، وللمسجد آثاره المباركة، فالمساجد بيوت الله في الأرض تحفها الملائكة وتتنزل فيها الرحمة وتجمع من معالم الخير والرشد ومجالس العلم والتربية ما يجعل المسلم أصفى روحاً وأنقى نفساً وأخلص قلباً .
وضع المرأة
* لكن . . هل يجوز للمرأة أن تعتكف في المسجد مثل الرجال؟
يقول الدكتور محمد الشحات الجندي، أستاذ الشريعة الإسلامية وعضو مجمع البحوث في الأزهر: يجوز للمرأة أن تعتكف في المسجد بعد أخذ الإذن من زوجها أو ولي أمرها بشرط أن تكون في مأمن، أي لا يحدث اختلاط بين الرجال والنساء ولا تتعرض لما ينهى عنه الشرع وأن يكون المسجد قريباً من بيتها .
ولقد أجاز الأحناف اعتكاف المرأة في مسجد بيتها وكرهوا اعتكافها في المساجد لأن مبنى حالها على الستر .
وأرى أن اعتكاف المرأة في بيتها أفضل الآن، لأن اعتكافها في المسجد قد يضيع عليها مصالحها ومصالح أسرتها وقد يجلب عليها الكثير من المتاعب .
والاعتكاف له آداب يجب أن تأخذ بها المرأة لكي يصح اعتكافها ومنها حبس الجوارح عن المعاصي واستخدامها في الطاعات واستغلال الوقت كله في العبادة والطاعة ونقصد بهذا أن تحيي الليل في الذكر والصلاة وقراءة القرآن الكريم .
ويفسد الاعتكاف بالجماع ويحرم على المعتكف أن يفعل ما يؤدي إليه كالتقبيل وما يشبهه كما يفسد الاعتكاف بالخروج من المسجد من دون ضرورة تدعو لذلك . أما الخروج لضرورة كصلاة الجمعة أو كقضاء حاجة طبيعية كالبول أو الغائط والاغتسال وشراء ما يلزم شراؤه لمأكله ومشربه فلا يبطل الاعتكاف .
وقد روي عن السيدة عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت: السنة على المعتكف ألا يعود مريضاً ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج إلا لحاجة وما لابد منه .
ويفسد الاعتكاف بالجماع، ويحرم على المعتكف أن يفعل ما يؤدي إليه كالتقبيل وما يشبهه، كما يفسد الاعتكاف بالخروج من المسجد من دون ضرورة تدعو لذلك . أما الخروج لضرورة كصلاة الجمعة، أو كقضاء حاجة طبيعية كالبول والغائط والاغتسال وشراء ما يلزمه شراؤه لمأكله ومشربه، فلا يبطل الاعتكاف .
وليس للاعتكاف مدة معينة، فهو يتحقق ولو لمدة يسيره ما دام قد نوى أن تكون هذه المدة التي قضاها في المسجد اعتكافا، وذلك من فضل الله تعالى ورحمته بعباده وهذا بالنسبة للاعتكاف المطلق، أما إذا نذر أن يعتكف لمدة يوم أو يومين أو أكثر، فعليه أن يوفي بنذره .
وينبغي للمعتكف أن يشتغل بذكر الله تعالى وبقراءة القرآن الكريم، وبالتسبيح والتحميد والتكبير والتهليل . . وبكل قول طيب، وعمل صالح، لأنه إنما حبس نفسه وألزمها الإقامة في المسجد للاشتغال بالطاعة، والإقبال على العبادة .
جاء في الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في المعتكف: هو يعكف الذنوب ويجري له من الحسنات كعامل الحسنات كلها .
أي: أن الاعتكاف يحفظ المعتكف من الشرور، ويكتب له كثواب فاعل الطاعات كلها، لأنه حبس نفسه في بيت الله، طلباً لرضاه .
كما ينبغي للمعتكف ألا يشغل نفسه بالأعمال الدنيوية من بيع وشراء وتجارة . . لأن ذلك لا يتناسب مع الأهداف السامية التي اعتكف من أجلها وهي التخفف من كل ما يشغله عن طاعة الله تعالى .
وينصح د . محمد الشحات الجندي من يحرصون على هذه السنة النبوية الشريفة الالتزام بآدابها وأخلاقياتها حتى تحقق هدفها ويخرج المسلم من عزلته المؤقتة أكثر صفاء وسعادة . ويقول: لا يصح أن نعتكف في المساجد لنمارس الغيبة والنميمة وننهش في سمعة الآخرين وأعراضهم ولا أن نبتعد عن الناس ونهاتفهم من خلال الهواتف النقالة كما يفعل بعض المعتكفين، ولا ينبغي أن نتباهى باعتكافنا داخل المساجد فلا يوجد إنسان عاقل يتباهى بطاعة أو قربى إلى خالقه .
ويقول: عبادة الاعتكاف تحقق هدفها في نفس المسلم عندما تكون مجردة لوجه الله وخالية من الرياء وعندما يكون المسلم صادقاً في مراجعة نفسه ومحاسبتها خلال فترة اعتكافه ليعود إلى حياته الطبيعية أكثر صفاء ونقاء وسعادة .