البـصـــــرة.. مركز العلوم والتجارة

أول مدينة عربية في العصر الإسلامي
04:46 صباحا
قراءة 3 دقائق

البصرة أول مدينة إسلامية بنيت خارج الجزيرة العربية، وتم التخطيط لها لتكون واحدة من أكبر، وأشهر مدن العراق، وكانت تدعى «قبة الإسلام»، ومستقر المسلمين بالعراق، بناها عتبة بن غزوان سنة 14ه، وصارت مدينة الإسلام، ومحل الصحابة، والتابعين، والمجاهدين.

كانت البصرة قبل الإسلام ميناء من موانئ العراق، يجتمع فيها خليط من أمم شتى، فرس، ويونان، أحلهم فيها الإسكندر الأكبر، وهنود انتشروا في بطائحها، ونزلها العرب منذ القدم، كما فيها أنباط غير قليلين. وكانت هي، والإبلة مركزين للتجارة الداخلية، والخارجية، وكان يرتادها تجار العرب.

والبصرة، كما جاء في كتاب «كلام العرب» لحسين بن أحمد، تعني الأرض الغليظة التي فيها حجارة صلبة بيضاء. والبصرة مدينة عراقية عظيمة، كان العرب يسمونها (أرض الهند)، تقع على الضفة الغربية (اليمنى) لنهر شط العرب، الذي يتكون من التقاء نهري دجلة، والفرات، ويصب في الخليج العربي. ولم تكن البصرة في أيام الفرس، وإنما بناها العرب أنفسهم، فكانت أول مدينة عربية أُنشئت في العصر الإسلامي، ومصرت قبل الكوفة.

وأول إنشائها كان في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، بناها الصحابي القائد عتبة بن غزوان، رضي الله عنه، وهناك اتفاق بين المؤرخين على ذلك، غير أنهم يختلفون في زمن بنائها، بين سنة 14ه/‏635م، أو 15ه، أو 16ه، أو 17ه، ومراد اختلافهم هل كان بناؤها قبل فتح المدائن 16ه، أم بعدها؟

ويعتبر تخطيط البصرة أول تجربة لتخطيط المدن في العصر الإسلامي الأول، ولما نزل المسلمون فيها، كان أول ما شيده عتبة بن غزوان في هذه البقعة مسجداً من قصب، مع دار إمارة في وسط المدينة، في المركز، وجعلوا الطرق والشوارع تؤدي كلها إلى المسجد، وبنوا الأسواق قريبة منه ليتيسر للناس الاتصال بها، وبالوالي، ثم صار المسلمون ينشئون المنازل من القصب أيضاً، حتى إذا غزوا مكاناً نزعوا القصب وحزموه حالاً، فإذا عادوا من الغزو سالمين آمنين أعادوا المنازل إلى ما كانت عليه.

ولم تكن البصرة على عهد الخلفاء الراشدين بالمدينة الكبيرة، لحداثة نشأتها العربية، فقد كان الغرض من إنشائها أن تكون قاعدة عسكرية تقيم فيها عائلات المقاتلين، وأهلوهم، ويستقر فيها الجند. ومع الوقت، كما يذكر على

مفتاح عبد السلام في كتابه «تخطيط المدن العربية الإسلامية الجديدة في العصر الراشدي»، ازدادت أهمية البصرة التي صارت مركزاً إدارياً، وعسكرياً مهماً، في العراق، ما شجع على هجرة الكثير من السكان إلى البصرة. وازداد عدد سكان المدينة من 800 نسمة في بداية نشأتها، إلى 230 ألف نسمة في نهاية الحقبة الأولى من العصر الإسلامي. وفي العصر الأموي ازدادت أهمية البصرة كثيراً، نظراً لموقعها التجاري، فأسرع إليها العمران واتخذتها الحكومة مقراً لإمارة العراق في أيام بني أمية في بادئ الأمر، فعمرت في أيامهم، واتسعت عمارتها، وازدهرت ثروة أهلها، وكثرت خيراتها. وغدت العاصمة الإقليمية للدولة الأموية في العراق، وتوسعت المنطقة المعمورة للمدينة لتشغل مساحة مقدارها 57كم2.

ويوماً بعد يوم، غدت البصرة من الحواضر المهمة التي قل أن تماثلها بلدة بحسن عمارتها، وعظمة بنائها، وبهائها، من أشهر المدن، وأكثرها أدباً، وعلماً، وتجارة، وعزاً، وأجلها شأناً، وأبهجها مركزاً، لاسيما في العصر العباسي، وكانت ثاني مدينة في العراق بعد بغداد التي أصبحت عاصمة الدولة العباسية، فكانت مركز التجارة بين العراق، والبلاد الأخرى.

كما كان للبصرة دور كبير في تاريخ الثقافة العربية الإسلامية، فقد كانت مساجدها ومدارسها تعج بحركة العلماء، والفقهاء، والأدباء. وخرج منها فطاحل علماء المسلمين، وكبار فقهائهم. واشتهرت بأئمة المعتزلة. وظهرت فيها في القرن الرابع للهجرة مدرسة شهيرة ذاع صيتها في الآفاق، وعرف أصحاب هذه المدرسة بإخوان الصفا. وأطلق على البصرة قبة الإسلام، وكانت تناظر الكوفة في المذاهب العربية، وهو أمر مشهور في كتب النحاة.

وتحتوي مدينة البصرة على كثير من مشاهد وقبور بعض الصحابة، رضوان الله عليهم، ومنهم طلحة بن عبيدالله، والزبير بن العوام، وفي البصرة قبر حليمة السعدية، مرضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها قبر أنس بن مالك، وفيها كذلك قبر الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، ومالك بن دينار، وغيرهم من مشاهير هذه الأمة، وفي البصرة أيضاً قبور الصحابة الذين استشهدوا في موقعة الجمل.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"

https://tinyurl.com/y39h99ba