التنوير أولاً

03:17 صباحا
قراءة دقيقتين

هذه ليست مقارنة أو مُفاضلة بين التنوير والتثوير، ذلك ببساطة لأن أي تثوير للناس في أي زمان ومكان إذا لم يسبقه التنوير فهو مجرد حراك أعمى ومراوحة، وما كان الغرب كله سيصل إلى ما هو عليه الآن لولا تلك الحلقة الذهبية التي مرّ بها وهي التنْوير ولم تكن كلفة هذه المهمة سهلة، فقد عانت نخب وجماعات وأفراد في سبيل تحقيقها، وبالتالي انعتاق الوعي من حالات الارتهان على اختلاف أنماطها، وحين يقال إن العرب مروا في عصرهم الحديث بهذه المرحلة التنويريةخصوصاً في نهضة القرن التاسع عشر أو مطالع القرن العشرين فذلك ليس دقيقاً، لأن التنوير لم يكتمل كما أن النهضة جرى إجهاضها ولم تكن صدفة أن ينتهي روادها إلى مصائر مأساوية بدءاً من الكواكبي .

لكن ما السبيل إلى استئناف هذا التنوير في عالم تعصف به متغيرات مُتسارعة ودراماتيكية؟ وهل كان أي حراك سياسي أو اجتماعي سيعاني من خلل في البوصلة ويخلط حابل التغيير الإيجابي بنابل الفوضى لو أن هناك مرحلة تنويرية مَهدت لهذا الحراك؟

الإجابة تتولاها مشاهد متلفزة ثُبت على مدار الساعة عبر مختلف الفضائيات ونحن نعيش عصراً تنوب فيه الصورة أحياناً عن اللغة، رغم الخطورة في الانتقاء والإضاءة والتعتيم وفقاً للأهواء والأمزجة .

ومن اشْتقوا مفردة التنوير من النور كانوا يدركون أن هناك ظلاماً دامساً لابد من الخروج منه، فالإضاءة افتضاح لكل ما يجري في العتمة، لهذا ستطيل أيدي اللصول وقاطعي الطرق في الليل كلما استطال، وحتى الحروب الحديثة تكون ضحيتها الأولى هي البنية التحتية وبالتحديد الكهرباء .

لقد قال مؤرخ ألماني ذات ظلام عمّ بلاده إن اسوأ ما في هذا الظلام أنه يُجانس بين كل الألوان بحيث تصبح سوداء .

وضرب مثالاً بالأبقار، فهي كما قال تصبح كلها بقرة واحدة سوداء .

وما نغفله أحياناً أن للتنوير إيقاعاً أبطأ مما نتصور، لأنه إعلان حرب على التخلف وتحرير للوعي وتسمية لكل شيء باسمه الصريح من دون مواربة أو نِفاق يستهدف التضليل .

وأدوات التنوير ليست مُعَمّمة وبمتناول المجتمعات كلها عندما تشرع في تحقيق هذا التطلع، لأنه منجز حضاري ومدني يُسهم فيه المثقف والناشط ومجمل الأفراد الذين يرفضون الخضوع والتأقلم مع واقع صعب ومرير .

وحين يستبق التثوير بمعناه العنيف مرحلة التنوير يصبح المشهد كوميديا بقدر ما هو مأساوي، لأنه أشبه بوضع العربة أمام الحصان أو انتظار البخار والماء المغلي من كتلة جليد بعيداً عن النار .

إن كل تطوير لحياتنا الآن سواء من خلال التثقيف والتّمدين ووعي المُواطنة هو شروع جدي في التنوير، لكن هذا يحتاج إلى مران وممارسات تجعل الناس أقل استخفافاً بالثقافة والفنون وثقافة القانون وتقاليد المأسسة .

والأعراض المصاحبة للحراك على اختلاف أبعاده في واقعنا العربي ليست عابرة، لأنها توضح لنا أن غياب التنوير والتوعية سيبقى حلقة مفقودة في كل حراك إنساني .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"