الجرافيتي "فن الغضب والشوارع"

يقدم رسائل واضحة لكل الطبقات
06:30 صباحا
قراءة 5 دقائق

بين زحام شوارع القاهرة وصمت وجوه المارة وصوت الشيخ سيد درويش الذي استحوذ على ذاكرة هاتف فرعون، يقسم الأخير الأدوار بحرفية شديدة في انتظار مولود جديد ينتمي إلى فصيل اللون والحرف، ينسب في الأخير إلى كيان الثورة المصرية أباً وأماً .

فرعون رفض ذكر اسمه كاملاً أو أن ننشر له صورة تكشف ملامح وجهه كاملة واكتفى باسمه المستعار لأنه يعشقه على حد تعبيره، هذا على المستوى الشخصي، أما في سياق العمل الجماعي ورسم جداريات الجرافيتي فيرى أن استخدام اسم مستعار لكل فرد في المجموعة يحتوي على شيء من إنكار الذات لا أكثر ولا أقل، وليس خوفاً من مطاردات الجهات الأمنية كما يزعم البعض .

فرّق فرعون في بداية حديثه بين مصطلح الجرفيتي والجرافيتي . . فالأول الذي يعني الجاذبية يختلف تماماً عن فن الجرافيتي، وهو في الأصل يعني الخدش وتستخدم فيه الأحرف أو الرسوم وينفذ عادة في الأماكن العامة بغرض الاحتجاج الشعبي، ويعد بديلاً فعالاً يغني عن الهتافات والمسيرات الثورية .

يواصل فرعون حديثه وبيده آلة الطلاء لتحضير الجدار للعمل، وتسليم الحائط نظيفاً لأصابع بيبو متخصص الرسم أو الفري هاند في الوقت المحدد .

كل شيء هنا مرتب ومتفق عليه قبل يوم أو اثنين من الآن على الأقل، ووفقاً لكل جديد يطرأ على مسار الثورة، هذا كله بعيداً عن الهواتف المحمولة بسبب المراقبة الشديدة عليها، فقط يستخدمون وسيلة التواصل العبقرية موقع التواصل الاجتماعي فيس بوك عبر صفحة سرية لا يعلمها أحد خارج أفراد المجموعة، أكد ذلك فرعون بعد انتهائه من تنظيف جزء يسمح له في وقت الراحة بتناول كوب من الشاي وتناثر بعض الجمل المتقطعة عن أصل فن الجرافيتي وبداية ظهوره في الشارع المصري داخل محطات مترو القاهرة، حيث انتشرت أكثر من جدارية شهيرة بين محطتي جامعة القاهرة والجيزة في الفترة من العام 2005 إلى 2006 .

وكانت المدارس الحكومية هي المحطة الثانية للجرافيتي وانتشاره بين طلاب الابتدائي الإعدادي الثانوي عن طريق الكتابة والرسم على أسوار هذه المدارس، فتندرج مثلاً جملة مدرستي جميلة نظيفة مع رسم سريع لتمرين رياضي تحت مصطلح الجرافيتي أو التعبير السريع وتوصيل الرسائل اليومية للطلاب .

أما عن النشأة الأولى وموطن فن الجرافيتي وفقاً لقراءات فرعون فكانت حقيقته هناك لدى إنسان الغابة أو الإنسان الحجري، عن طريق تسجيل يومياته والأحداث الفارقة في حياته ومجتمعه البدائي كالصيد، والموت، ولحظة الميلاد . . الخ، إلى أن انتقل إلى الفراعنة القدماء المصريين وانتشاره على جدران المعابد والمقابر لتسجيل كل كبيرة وصغيرة في حياة الأسر الفرعونية، إضافة إلى إنجازاتهم وحروبهم .

رسائل سريعة

في هذه اللحظة ينتهي فرعون من تنظيف الجدار ليأتي بيبو 19 عاماً وهو متخصص في الرسم على الجدار مباشرة أو الفري هاند الذي يستغرق 7 ساعات للجدارية الواحدة، مؤكداً أن التمويل المادي لإنجاز جداريات الجرافيتي يأتي ذاتياً من داخل المجموعة .

أشار بيبو إلى نوع آخر من الجرافيتي، وهو تقنية الصباغة التفريغية أو الاستنسيل غالباً يستخدم فيه بخاخ البوية لرش الوجه المفرغ، وأيضاً يمكن استخدامه للتوقيع، وهناك قلم البوية الذي يستخدم للتوقيع لكن لا يمكن استخدامه في الرسم .

أظهر بيبو أغطية مختلفة خاصة للتحكم في مساحة الرش وشكل البقعة عندما تستخدم لكتابة عبارات معينة .

رسام الفري هاند نفى تماماً أي علاقة بين الفن التشكيلي وفن الجرافيتي، الذي وصفه بالفن الشعبي أو فن الشارع، موضحاً الفارق الأهم بينهما، وهو الرسائل الواضحة المباشرة التي يرسلها الجرافيتي إلى جميع الطبقات ولا يقتصر على شريحة بعينها على عكس الفن التشكيلي وصعوبة قراءته إلا من متخصصين أو فنانين تشكيليين .

أما أحمد (16 عاماً) فهو قادم جديد إلى شارع محمد محمود يطلب من المجموعة التدريب لأنه يجيد رسم الاسكتشات، ويبرر مجيئه بأنه لديه فكر واسع من خلاله يستطيع توصيل الرسائل السريعة إلى الشارع المصري عبر رسوم الجرافيتي، ويبدأ بالفعل في مساعدتهم بتفريغ وجه متبق على الطاولة الخشبية بعد أن أتمه، وقد اختارت له المجموعة كيم اسماً مستعاراً بديلاً لأحمد .

أشرقت وهذا ليس اسمها بالتأكيد، فتاة تكبره بعام وصلت إلى مجموعة فرعون في 23 يناير الماضي لتصبح متخصصة في الاستنسيل ورش السبراي بعد تفريغ الوجوه .

تشرح فكرة الجدارية الجديدة وهي عبارة عن جدارية صامتة من دون أي عبارات يظهر بها وجهان بارزان من الاستنسيل لمرشحي رئاسة الجمهورية الفريق أحمد شفيق والدكتور محمد مرسي .

تخريب وتشويه

تقول أشرقت: إن سبب اختيار المجموعة شارع محمد محمود جاء بعد أن تم القبض عليهم أكثر من مرة بتهمة تخريب وتشويه الممتلكات العامة أو قلب نظام الحكم، فتم تخصيص جدران الشارع للجرافيتي بعيداً عن الميدان والمنشآت الحكومية .

وعن انكار الذات في عملية التوقيع بعد إتمام الجدارية أوضحت أشرقت 17 عاماً أن كل ما في الأمر وإلى جانب إنكار الذات أن التوقيع يأتي من جرافيتيين جدد يعلنون عن أنفسهم بغرض الشهرة، أما مجموعتنا فقد أتمت نحو 18 جدارية و200 استنسيل مفرغ من بداية الثورة حتى وقتنا هذا، مؤكدة أن دورهم في الثورة يتجدد يومياً مع تطور الأحداث .

حكاية الجرافيتي

أرض أرض . . حكاية ثورة الجرافيتي كتاب توثيقي يقع في 235 صفحة، ويتناول في صفحات قليلة حكاية الجرافيتي في مصر، ثم يعقبه ب200 صورة كنماذج لهذا الفن .

حركة فن الجرافيتي الحقيقية في مصر ولدت مع الثورة، إذ قبل ذلك التاريخ لم يكن هناك وجود حقيقي لفن الجرافيتي في مصر، هذا ما يشير إليه شريف عبد المجيد مؤلف الكتاب على الرغم من أن الفراعنة كانوا أول من رسموا على الجدران وكتبوا عليها .

عبد المجيد قال من باب التعريف إن كلمة الجرافيتي أصلها جرافيتو، وتعني الخدش، وهو فن الشارع الموجه لوعي المشاهد أو المتلقي العادي والبسيط بغرض الهروب به من تأثير العولمة والخطاب الرسمي في وسائل الإعلام التقليدية .

واصل عبد المجيد تصحيحه لمعلومة بداية ظهور الجرافيتي الذي بدأ في إنجلترا على يد الفنان الإنجليزي بانكسي، وهو اسم مستعار أيضاً، ثم انتقل بعد ذلك إلى أمريكا في أواخر عام 1960م واستخدم شكلاً من أشكال التعبير لدى الفرق الهامشية، حيث شوهدت حركة معاصرة للكتابة على الجدران نشأت من خلال عقول الناشطين السياسيين وأعضاء عصابات للتعبير عن شعورهم ولفت انتباه الجهات الإعلامية .

ومن نيويورك إلى باريس عام 1968 عاود الجرافيتي الظهور مع حركة الطلاب .

ظهر الكتاب الأول عن الجرافيتي في المملكة العربية السعودية في منطقة الطائف، بغرض شرح طرائق تعلم فن الجرافيتي، ولم يكتب له النجاح، أما الثاني فكان مترجماً في لبنان وعوقب مترجمه بالحبس .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"