الخلع دواء ما لا دواء له

من المكتبة الإسلامية
12:39 مساء
قراءة 6 دقائق

ابتلينا في عالمنا العربي بصنوف من الرجال أهدروا كيان الأسرة، وأصروا واستكبروا استكبارا، وأوصدوا الباب أمام كل الحلول المشروعة . . ومن هؤلاء الزوج الذي أجبرت عليه المرأة وهي كارهة له، والزوج الذي لا يعمد إلى عفاف الزوجة وهو قادر عليه، والزوج الذي يبخل بالنفقة على زوجته وولده، والذي لا يغار على زوجته ويدفعها إلى مخالطة الرجال، والزوج الذي لا يرى المرأة سوى شريك في المكسب وتحصيل المال، والزوج الذي يميل إلى الأخريات ويكثر الحديث عنهن وقد ينشئ معهن علاقات ممنوعة أو محرمة والزوج الذي يسيء معاملة زوجته فيهينها ويجرح مشاعرها أمام الناس .

هؤلاء الرجال قد تفشل كل محاولات إصلاحهم وتصبح الحياة معهم كئيبة قاسية لا يمكن لامرأة لديها أقل قدر من الكرامة وأكبر قدر على الصبر والتحمل أن تعيش مع أحدهم، وهنا يكون الخلاص من هذه الحياة الزوجية التعسة عن طريق حل إسلامي يعيد للمرأة حريتها ويحافظ لها على كرامتها ويجدد لديها الأمل في حياة مستقرة في كنف رجل آخر يقدرها أو حتى بعيدا عن هذه النوعيات الغريبة من الرجال .

بهذه الكلمات بدأت الداعية والفقيهة الكبيرة الدكتورة عبلة الكحلاوي أستاذة الشريعة الإسلامية في الجامعة الأزهرية كتابها الذي يحمل عنوان: الخلع . . دواء من لا دواء له والذي تعبر دائما رغم تنوع وتعدد مؤلفاتها عن اعتزازها به حيث يكشف عن عظمة الشريعة الإسلامية وعدالتها ووقوفها إلى جانب حقوق المرأة ورفضها لكل صور القهر والإهانة التي قد تتعرض لها على أيدي رجال لا يقيمون لدين الله وزنا ولا يعترفون بحقوق نسائهم .

تقول الداعية الشهيرة: كثير من الرجال يهدرون حقوق زوجاتهم ويرفضون تسريحهن ويسيئون استغلال سلطة القوامة التي منحهم الإسلام إياها فيمسكون زوجاتهم من أجل الإضرار بهن، ولأن الشريعة الإسلامية عادلة لا يظلم في رحابها إنسان فلم تترك المرأة مهيضة الجناح مقهورة السلطة، مسلوبة الإرادة، مرتعا لنزعات الشيطان، تعيش مهانة مجبرة كارهة مكرهة في سجن الزوجية سجانها زوج متجبر متسلط لا يتقي الله، ولا يفقه شريعته، بل أعطتها الحق أيضا في الخلاص والفكاك من سجن الزوجية . . فكان التشريع العادل بمنحها الحق في الخلع . . الطلاق بيد الزوج . . والخلع بيدها .

النشوز بين الزوجين

ومن خلال هذا الكتاب تطوف بنا الفقيهة الدكتورة عبلة الكحلاوي حول كل ما يتعلق بالعلاقة بين الزوجين حيث توضح في البداية النشوز الموجب للخلع فتقول: النشوز بين الزوجين بعبارة بسيطة هو كراهة كل واحد منهما لصاحبه نتيجة سوء عشرته، وقد تكون الكراهية من المرأة لزوجها نتيجة النشوز ''وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا وقد يكون من الرجل تجاه زوجته واللاتي تخافون نشوزهن فإذا كان النشوز من جانب الزوجة فقد وضعت له الشريعة الإسلامية وسائل علاج متدرجة تبدأ بالوعظ والنصيحة فإذا لم تفلح هذه الوسيلة ولم تحقق للزوج هدفه في إصلاح أمر زوجته انتقل إلى الوسيلة الثانية للإصلاح والتقويم وهي الهجر في المضاجع، فإذا لم يحقق الهجر هدفه ويؤتي ثماره انتقل الزوج إلى الوسيلة الثالثة وهي الضرب الرمزي الذي يعبر عن غضب الزوج ورفضه لتمرد وعصيان زوجته .

فإذا استمرت الزوجة على حالها بعد هذه الوسيلة وتدخل الأهل لإصلاح حالها وفشلوا فلا يأثم الزوج بتطليقها لنشوزها وسوء تفكيرها وعدم تقديرها للحياة الزوجية .

أما المعالجة الإسلامية لنشوز الزوج فتقوم على النصح من جانب الزوجة الراغبة في استمرار علاقتها بزوجها وحمل اسمه لمباشرة أمورها أو تربية أولادها أو حمايتها والحفاظ عليها . . فإذا فشلت هذه الوسيلة لجأت الزوجة إلى التحكيم العائلي لإصلاح ما بينها وبين زوجها ولكن لا يجوز للمرأة بأي حال من الأحوال أن تهجر فراش زوجها أو أن تمتد يدها إليه بالضرب .

معنى الخلع

وبعد أن تشرح المؤلفة ما يجب على كل من الزوجين في مرحلة النشوز توضح معنى الخلع الذي قد تلجأ إليه المرأة للخلاص من حياتها الزوجية إذا ما رفض الزوج تسريحها بإحسان وتقول: تعددت رؤية الفقهاء للخلع وتعريفاتهم له، وتكاد تتفق هذه الآراء على أن الخلع هو فراق الرجل زوجته بعوض يحصل عليه سواء كان بلفظ الخلع أو بغيره من الألفاظ التي ورد ذكرها عند أئمة المذاهب .

وقد اختلفت الألفاظ التي يتم بها الخلع عند الفقهاء سواء منهم من اعتبر الخلع فسخا، أو من اعتبره طلاقا رجعيا أم بائنا . . فقال المالكية: إن الخلع يتم بأربعة ألفاظ هي الخلع والمبارأة، والصلح والمفاداة، وكلها تؤدي معنى الخلع، وهو بذل المرأة العوض على طلاقها مع خلاف في مقدار هذا العوض بين الألفاظ الأربعة .

أما الشافعية فذكروا أن الخلع يتم بلفظ الطلاق الصريح كالخلع والمفاداة أو بلفظ الكناية مع النية شريطة التلفظ باللغة العربية . . والحنابلة مثل الشافعية إلا أنهم أضافوا لفظ الفسخ الصريح . . أما الكناية عندهم فتصبح بلفظ المبارأة أو الإبانة .

والحنفية يصح الخلع عندهم بألفاظ خمسة هي الخلع والمبارأة والطلاق والمفارقة والبيع والشراء .

تشريع عادل

وبعد أن توضح الدكتور عبلة دليل مشروعية الخلع من القرآن والسنة المطهرة وإجماع العلماء . . ترد على المشككين في تشريع الخلع وتقول: لقد سجل التشريع الإسلامي فضل السبق في وضع المرأة المسلمة في المكان اللائق بها في المجتمع البشري عندما منحها حق طلب الفرقة من الزوج في مقابل الطلاق الذي بيد الرجل وذلك إن كرهت منه خلقا أو خافت ألا تقيم حدود الله إن عاشرته مكرهة . . وقد بنى الإسلام هذا الحق من منطلق قاعدة من قواعد الشريعة السمحاء لا ضرر ولا ضرار فشرع لها الإسلام حق طلب الفرقة من الزوج مقابل قدر من المال كان قد أنفقه في سبيل إتمام هذا الزواج، إذ ليست الحياة الزوجية كما يفهم البعض مكانا تهدر فيه كرامة المرأة ويستهان فيه بمعاشرتها إنها الشريعة السمحة التي يحظى كل من ينتسب إليها بحقوقه كاملة غير منقوصة من دون أن يجور على حقوق غيره .

تقول الدكتورة عبلة: إذا قرأنا الآية الكريمة التي أجازت حق الخلع للمرأة مقابل العوض وتمعنا بفطرة نقية في معناها: فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به لوجدنا أن كلمة خفتم تتضمن أمورا لو أتت بها المرأة لوقعت في معصية عدم إقامتها حدود الله ومنها:

أن تظهر سوء الخلق والعشرة لزوجها .

ألا تبر له قسما ولا تطيع له أمرا .

أن تبتدئ له بلسانها قول إنها له كارهة .

أن يكره كل منهما الآخر .

لذا كان الأولى لها قبل أن تأتي بمثل تلك الأفعال أن تطلب الفرقة خشية الوقوع في المعصية مقابل العوض للزوج الذي قد يتضرر .

سلوك محرم

من هنا كانت رحمة الإسلام بكل من ينتمي إليه . . فإذا كان للرجل حق القوامة، وبيده الطلاق متى شاء، كان أيضا للمرأة حق طلب الفرقة شريطة أن تخاف ألا تقيم حدود الله في ما أمرها به من حسن معاشرة وطاعة ومودة ورحمة على أن تبذل له العوض عما أنفقه وتوضح المؤلفة أن جمهور الفقهاء اتفقوا على مشروعية الخلع . . واختلفوا في الحالات التي يباح فيها . . لذلك فهي تستعرض آراء الفقهاء وتناقشها وتنتهي إلى ما تراه محققا لمقاصد الشريعة، وهو أن الخلع جائز مع الشقاق والوفاق من دون إذن من القاضي وعلى المرأة دفع المال المتفق عليه ليتم الخلع . . ومن الأفضل لها ألا تطالب بالخلع إلا إذا وجدت أنها لا تستطيع القيام بحقوق الله في زوجها .

ثم بعد ذلك تناقش الدكتورة عبلة الكحلاوي كل المسائل الفقهية المتعلقة بالخلع ومن بينها إساءة بعض الرجال إلى زوجاتهم ليتم الخلع وتقول: هذا سلوك محرم، وهو يقضي ببطلان الخلع على الرأي الراجح من الفقهاء .

ثم تنتقل المؤلفة للحديث عن فلسفة الإسلام في الطلاق لتؤكد أن هذا التشريع يجسد عدالة الإسلام ونظرته الموضوعية للحياة الاجتماعية وحرصه على أن تقوم العلاقة بين الزوجين على المودة والرحمة حيث توضح معنى الطلاق وحكمة مشروعيته وحكم الطلاق ثلاثاً بلفظ واحد .

ثم تختتم كتابها بمبحث شرعي يوضح الفرق بين الطلاق خلعا والطلاق من جانب الزوج وما يترتب على كل منهما من التزامات شرعية .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"