يقول د. عبدالحي عزب الرئيس السابق لجامعة الأزهر: القراءة الدقيقة لمسيرة رسولنا صلى الله عليه وسلم كرجل دولة، والفهم الصحيح للعديد من توجيهاته ووصاياه يؤكدان أنه سعى بكل طاقاته لإقامة مجتمعات إسلامية حديثة، وأنه من خلال توجيهاته السديدة وأخلاقياته الراقية كان يقود المسلمين إلى حياة حافلة بالإنجازات العلمية والثمار الحضارية والقوة الاقتصادية، ولو التزم المسلمون اليوم بهذه الوصايا وتلك التوجيهات ما تخلفوا، أو تجمدوا أو تسولوا فتات الحضارات الأخرى كما هي حالهم اليوم.
ويضيف: رسولنا العظيم وضع أقدامنا - نحن المسلمين- على طريق النهضة بحق حيث تحمل توجيهاته كل بواعث النهضة، وترفض كل ما يمكن أن يقف في طريق تقدم الأمة، فقد حث من خلال أحاديث واضحة وصريحة على تحصيل كل العلوم والمعارف، ودفعنا دفعاً إلى إعمال عقولنا في كل شيء في هذا الكون، وعندما عمل السابقون من علماء ومفكري وباحثي الأمة بتوصيات رسولهم الكريم - صلى الله عليه وسلم - تقدموا ونهضوا وبنوا أعظم حضارة شهدها التاريخ،التخطيط العلمي
ويقول:اهتمام الرسول بالتخطيط العلمي كان واضحاً في كل فتوحاته،والنصوص التي دعا فيها إلى العلم واحترام العلماء وتقديرهم أكثر من أن تحصى، ويكفي أنه صلى الله عليه وسلم كان يفرج عن الأسير من غزوة بدر إذا علم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة.. وشجع صلوات الله وسلامه عليه المسلمين على السعي وراء العلم وإدراكه أينما وجد، فقال: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة»،كما أقام حالة من المودة والرحمة بين العلم والدين إلى حد أنه فضل العالم على العابد.. وهو صلى الله عليه وسلم القائل في الحديث الشريف:«لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع:عن عمره فيما أفناه،وعن شبابه فيما أبلاه،وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه،وعن علمه فيما عمل به»
لذلك لم تكن هناك خصومة بين الدين والعلم في منهج الرسول العملي، ولا في توجيهاته ووصاياه، فهذه الخصومة الوهمية لم نسمع أو نقرأ عنها إلا على ألسنة بعض المستشرقين الجاهلين وبعض كتاب الغرب المتعصبين الذين أخذوا على عاتقهم مواجهة الإسلام وتشويه صورة رسولنا العظيم.
وكما اهتم رسول الإنسانية صلى الله عليه وسلم بترسيخ قيم الإيمان الصادق في نفوس كل المسلمين وضع شرطين أساسيين للتمكين في الأرض وتحقيق الحياة الآمنة المستقرة، ولو التزم بهما المسلمون لتحقق لهم وعد الخالق عز وجل ونعموا بالاستقرار والأمان والطمأنينة ورغد العيش، وهذان الشرطان هما: (الإيمان، والعمل الصالح)، وهذا واضح من خلال العديد من الأحاديث النبوية الشريفة، التي تؤكد ضرورة الإيمان برسالة السماء أولاً،ثم عمل الصالحات ثانياً،فالإيمان هو الأساس والعمل الصالح هو البناء،ولن يغني أساس ما لم يكن هناك بناء،ولن يثبت بناء ما لم يكن هناك أساس متين.والعمل الصالح الذي تبناه الرسول ودعا إليه يشمل كل عمل للدين والدنيا معاً.
ربط الدنيا بالدين
د. جعفر عبدالسلام الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية يلتقط خيط الحديث من د. العزب ليؤكد أن منهج الرسول صلى الله عليه وسلم كان منهجاً علمياً بكل ما تحمل العبارة من معنى، لذلك استطاع أن يضع أقدام الأمة على الطريق الصحيح، ويقول: وضع الرسول القائد أقدام أمته الإسلامية على طريق البناء الحضاري الصحيح، وأوضح لنا استحالة تحقيق أي تقدم أو نهضة في ميادين الحياة المختلفة بعيداً عن مكوناتنا الثقافية والحضارية المستمدة من أحكام وتعاليم وأخلاقيات وتوجهات ديننا الإسلامي الذي جاء بحق ثورة علمية وحضارية واستحق أن يكون هو الخاتم والمتمم والجامع لكل الرسالات السماوية.
ويضيف: رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبعث ليتمم مكارم الأخلاق فحسب، بل بعث ليتمم مشهد الحضارات الإنسانية بحضارة إسلامية تربط الدنيا بالدين، ذلك أن الإسلام الذي جاء به خاتم الأنبياء والمرسلين من خلال عباداته ومعاملاته وتشريعاته التي تتناول كل مجالات النشاط الإنساني ومن خلال آدابه وأخلاقياته يحقق كل ما تتطلع إليه الشعوب من حياة آمنة مستقرة، ومشكلة تخلفنا نحن المسلمين عن ركب الحضارة والتقدم لم تكن أبداً بسبب ارتباطنا بالإسلام، كما يردد بعض دعاة الباطل والعبث الفكري، بل كان تخلفنا بسبب تجاهلنا لتعاليم السماء ووصايا وتوجيهات رسولنا العظيم.
من هنا يطالب الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية والنائب الأسبق لرئيس جامعة الأزهر بضرورة السير على خطى الرسول صلى الله عليه وسلم في الاعتماد على العلم وتقدير جهود العلماء والباحثين والمفكرين ووضعهم في المكانة اللائقة بهم في المجتمع ليقوموا بواجبهم في تحقيق مجتمع مثالي يحقق طموحات وتطلعات من يعيشون فيه.
رصيد نعتز به
ويؤكد الأمين العام لرابطة الجامعات الإسلامية أن التوجيهات النبوية الكريمة التي تقودنا إلى التقدم الحضاري الذي ننشده ونتطلع إليه أحد مكونين للرصيد الحضاري الذي ينبغي أن يعتز به المسلمين في مختلف العصور، حيث ترك لنا صلى الله عليه وسلم - بعد القرآن الكريم - رصيداً علمياً وحضارياً نعتز به كل الاعتزاز، وقد سار المسلمون في القرون الأولى على نهجه واستطاعوا بناء أفضل حضارة عرفها العالم.
ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل دولة يحمل هموم الأمة فقد ظلت دعوته إلى العمل والكفاح طوال رحلته الحياتية، فقد كان يؤمن بأنه لا يمكن أن تتحقق نهضة ولا استقرار اجتماعي أو اقتصادي أو أمني إلا إذا قام أبناء الأمة بما عليهم من واجب العمل والإنتاج لتوفير مقومات الحياة الكريمة لأنفسهم، وليسهموا بدورهم في تنمية ورقي وتحضر مجتمعاتهم.
ويضيف د. جعفر: لم يهتم رسول من الرسل بالعمل والإنتاج كما اهتم رسولنا الخاتم صلى الله عليه وسلم، فتوجيهاته ووصاياه تدفع الإنسان دفعاً جميلاً إلى أن يعمل وينتج طالما كان قادراً على العمل والإنتاج، وكان يحث دائما على «تجويد» هذا العمل ليأتي بثمار أكثر، وليستريح ضمير الإنسان الذي يعمل، والإسلام يخلق بذلك ساحة تنافس شريفة بين كل أفراد المجتمع لكي يتعلم الجميع ويتدرب حرصا على أن يظفر بعمل يعتز به ويحقق له طموحاته.
وإلى جانب حرصه الشديد على العلم وتبني المنهج العلمي وتطبيقه وحثه على العمل والإنتاج المفيد اهتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلوك الحضاري للإنسان فالرقي والسمو بسلوك الإنسان أمر مهم لكل قائد أو زعيم يستهدف الصالح العام لأمته، فالإنسان هو الصانع الحقيقي للتحضر والرقي، فلا قيمة لأي منشآت أو مظاهر للحضارة المادية مع وجود إنسان همجي أو مستهتر لا يعرف كيف يتعامل مع نعم الله ويوظفها التوظيف السليم.
حضارة متميزة
ويقول المفكر الإسلامي د. محمد أبو ليلة أستاذ الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر: في توجيهات ووصايا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم جملة من القيم الحضارية تحقق في حالة الالتزام بها والحرص عليها الارتقاء بسلوك الإنسان وقيادته ليبني ويعمر وينشر القيم الأخلاقية الرفيعة، وهذا يؤكد أن حضارة الإسلام التي نشرها الرسول ليست حضارة شيئية جافة، وهي لا تهتم بالمبنى وتهمل الإنسان الذي يخطط ويفكر ويبني ويعمر، بل هي حضارة سلوك أولاً وأخيراً، وكلما كان الإنسان راقياً متحضراً، كلما صنع حضارة متميزة، تحقق للمجتمع كل طموحاته وتطلعاته.
ويضيف: لقد اعتنى الرسول صلى الله عليه وسلم بحالة الانضباط السلوكي، فالمسلم ليس عشوائياً ولا عدوانياً، ولا يتصرف وفق ما يحلو له، بل هو - وفق ما رسم له رسوله الكريم - منضبط السلوك، يحترم النظام الذي ارتضاه المجتمع، ويلتزم بالقانون الذي يطبق على الجميع، ولذلك دان الرسول كل صور الفوضى السلوكية التي تهدر قيم المجتمع وأخلاقياته.
الرسول.. وحرية الفكر
كان عليه الصلاة والسلام يؤمن إيماناً راسخاً بأن المجتمع القوى المتماسك هو الذي تسود فيه الحرية المسؤولة، ويحصل كل فرد فيه على حقوقه كاملة، ويمارس حرياته بمسؤولية وكفاءة، ويعمل فيه الإنسان عقله وجهده لكي يسهم في تطوير وتنمية ورقي مجتمعه من دون أن يتطاول على الثوابت والأصول التشريعية.
لذلك عدد علماء الحديث النبوي التوجيهات النبوية التي تعد ثورة حقيقية في عالم حرية الفكر والتعبير.. ثورة ضد كل صور الجمود الفكري، وضد سلوك هؤلاء الذين توهموا أن الله خلقهم ليتسلطوا على رقاب العباد، ويصادروا حرياتهم ويفرضوا الوصاية عليهم.
ويقول د. أبو ليلة: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الحريات الأساسية للإنسان فلسفته ومنهجه المتميز، فهذه الحريات في نظر رسول الإنسانية العادل ليست شعارات يتغنى بها الإنسان ويتفاخر بها من دون أن يكون لها انعكاسات على حياته وعلاقاته بالآخرين، كما أن استمتاع الإنسان بالحريات ليس هدفاً في حد ذاته، بل هذه الحريات وسائل وأدوات لكي يحقق الإنسان رسالته في الحياة من خلالها، ويؤدي واجباته على الوجه الأكمل وهو يمارسها، فقد أكدت تجارب الأمم والشعوب أن المجتمع الذي تسود فيه الحريات المنضبطة هو أكثر المجتمعات إنتاجاً وانضباطاً، وبالتالي استقراراً، بينما تعاني المجتمعات التي تصادر فيها حريات الإنسان من قلاقل ومشكلات تعصف باستقرارها.