الزواج سياج أخلاقي للمجتمع

نظام رباني لاستمرار الحياة
12:50 مساء
قراءة 6 دقائق

شرع الإسلام الزواج لينعم كل من الرجل والمرأة بالطمأنينة والسعادة والاستقرار في ظل أسرة متحابة يتبادل فيها الزوجان كل مشاعر المودة والرحمة والتعاون والتكافل والسكن النفسي .

يقول المفكر الإسلامي الدكتور محمد عبد الغني شامة، أستاذ الثقافة الإسلامية في جامعة الأزهر: الزوجية سنة من سنن الله في الخلق والتكوين، فهي الأسلوب الذي اختاره الله للتوالد والتكاثر واستمرار الحياة .

يقول الحق سبحانه: يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ويقول عز وجل: يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء .

ولم يشأ الله أن يجعل الإنسان كغيره من العوالم، فيدع غرائزه تنطلق من دون وعي، ويترك اتصال الذكر بالأنثى فوضى لا ضابط له، بل وضع له النظام الملائم الذي من شأنه أن يحفظ شرف الإنسان، ويصون كرامته، فجعل اتصال الرجل بالمرأة اتصالاً كريماً مبنياً على رضاها، وعلى إيجاب وقبول كمظهرين لهذا الرضا، وعلى إشهاد على أن كلاً منهما قد أصبح للآخر .

والزواج الذي شرعه الإسلام قد يكون واجباً، وقد يكون حراماً، وفي بعض الحالات يكون سنة أو مكروهاً أو مباحاً .

ويرى الفقهاء أن الزواج يصبح واجباً بشروط ثلاثة:

الأول: أن يتيقن الشخص الوقوع في الزنى إذا لم يتزوج .

الثاني: ألا تكون له قدرة على الصيام الذي يحميه من الوقوع في الزنى .

الثالث: أن يكون قادراً على المهر والإنفاق من كسب حلال .

وقال الفقهاء: المرأة إذا خافت على نفسها من فاجر لا يصده عنها إلا الزواج، فإنها يجب عليها أن تتزوج، والرجل المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه ودينه من العزوبة يجب عليه أن يتزوج .

الإنفاق على المرأة

يكون الزواج حراماً على كل من لم يخش الزنى، وكان عاجزاً عن الإنفاق على المرأة من كسب حلال، أو كان عاجزاً عن القيام، فإن علمت المرأة عجزه هذا ورضيت به، وأيضا إذا علمت بعجزه عن النفقة ورضيت، فإنه يجوز بشرط أن تكون رشيدة، أما إذا علمت أنه يكسب من حرام ورضيت فإنه لا يجوز .

ويكون الزواج سنة لمن له رغبة فيه، لكنه لا يخاف على نفسه الزنى، سواء أكان رجلاً أم امرأة، وهو في هذه الحالة يكون أفضل النوافل، لما فيه من تحصين نفسه وتحصين زوجه والحصول على الولد الذي تكثر به الأمة، ويكون الزواج سياجاً أخلاقياً للمجتمع .

ويكره الزواج إذا خاف الشخص عدم القيام بحقوق الزوجية، كالمرأة التي ليست لها رغبة في النكاح وليست محتاجة إليه، وليست خائفة على نفسها من الفجر، فإن زواجها في هذا الحالة كما قال الفقهاء يكون مكروهاً، وأيضا الرجل الذي لا رغبة له في النكاح، وليست له قدرة على المهر والإنفاق، فإنه يكره له الزواج .

ويكون الزواج مستحباً لمن له رغبة في النكاح وكان قادراً على نفقته، ولكنه يأمن على نفسه من اقتراف ما حرم الله عليه .

وحرصاً على قوة العلاقة بين الرجل والمرأة لتحقيق أهداف هذه العلاقة ومقاصدها المشروعة حدد الإسلام شروطاً للزواج الصحيح ليخرج من دائرة الزواج المباح أو المشروع كل صور الفوضى في العلاقات بين الرجل والمرأة التي كانت شائعة في الجاهلية التي عادت إلى عصرنا الحديث تحت مسميات غريبة تحمل كثيراً من التحايل والتزوير .

وللفقهاء في تحديد أركان الزواج وشروطه اتجاهات متنوعة، لكنها تتلاقى في تحقق الزواج الشرعي الصحيح الذي أمرت به وحثت عليه شريعة الإسلام، وقد اتفق الفقهاء على أن الإيجاب والقبول وهو طلب الرجل الزواج من المرأة وقبول المرأة هذا الطلب يعد من الأركان الأساسية التي لا يصح عقد الزواج إلا بها، لأن رضا الطرفين وتوثيق إرادتهما في هذا الارتباط الدائم لا بد منه للحياة الزوجية .

شروط فقهية

اشترط الفقهاء لهذا الإيجاب والقبول كما يقول الدكتور عبدالله النجار أستاذ الشريعة الإسلامية بالأزهر، عضو مجمع البحوث الإسلامية إن يكون الزوج والزوجة أهلا لمباشرة عقد الزواج، وتحقق الأهلية بالتمييز، فإن كان أحد الزوجين صبياً أو مجنوناً لا ينعقد الزواج ويكون باطلاً .

ويشترط أن يكون الزوج مسلماً بالنسبة للمسلمة، فلا ينعقد زواج المسلمة بغير مسلم، ولو حدث وتزوجت مسلمة بغير المسلم يكون الزواج باطلاً .

واشترط الفقهاء أيضا أن يكون الإيجاب والقبول من الطرفين في مجلس واحد، بحيث لا يفصل بين طلب الزوج وقبول الزوجة أو وليها فاصل زمني، يعد في العرف الشرعي والاجتماعي إعراضاً من أحدهما عن إتمام الزواج .

وبالنسبة إلى المرأة التي يريد الرجل الزواج منها يشترط ألا يكون بها أي مانع شرعي من الزواج بها، كأن تكون من المحارم بسبب النسب أو الرضاع أو غير ذلك .

ولكي يكون الإيجاب والقبول بين الزوجين صحيحاً يجب أن يكون عن اختيار وتراضٍ من الطرفين، ويجب استئذان المرأة قبل العقد، سواء أكانت بكراً أو ثيباً، لأن الحياة الزوجية لا تتم في مودة وانسجام إلا إذا قامت على الارتياح النفسي بين الزوجين من دون أن يصاحبها أي قهر أو إكراه .

وقد منعت شريعة الإسلام إكراه المرأة بكراً أو ثيباً على الزواج ممن لا تريد الزواج به، وحكمت على العقد الذي يتم من دون استئذانها بأنه غير صحيح، وأن من حق المرأة أن تطالب بفسخه لأنه تم من دون أخذ رأيها .

ولكي يكون عقد الزواج صحيحاً لا بد أن يكون معلوماً لدى الناس، فهو ميثاق غليظ تحدث عنه الخالق بقوة وشدة وعظمة، فقال في شأنه: وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً .

لذلك كان من محاسن شريعة الإسلام أن جعلت الإشهاد في الزواج من شروط صحته، لما له من خطر عظيم يتعلق بحفظ الأنساب وبدفع الشبهات وسوء الظن عن الزوجين . وقد اتفق جمهور الفقهاء على أن الشهادة شرط في صحة الزواج ولابد من وجود الشاهدين خلال عقد الزواج .

المحرمات من النساء

حددت شريعة الإسلام تحديداً دقيقاً محكماً النساء اللاتي يجوز الزواج بهن، ومن الآيات القرآنية التي ذكرت ذلك قوله تعالى: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف، إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً . حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفوراً رحيماً .

ففي هاتين الآيتين ذكر الله عز وجل أربعة عشر نوعاً من النساء اللاتي لا يجوز الزواج بهن، وأسباب هذا التحريم معروفة، فالشرائع السماوية والعقول الإنسانية السليمة والعادات القديمة جميعها تنفر وتحرم الزواج من هذا النوع من النساء، وصدق الله إذ يقول: إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا، فالزواج بالمحارم من جهة النسب أو من جهة الرضاعة أو المصاهرة يتنافى مع الفطرة التي فطر الله عليها عباده، ويتعارض مع المروءة ومع الشرف ومع مكارم الأخلاق .

أشكال مرفوضة

حرصاً على أن تكون علاقة الرجل بالمرأة في إطارها الكريم وتحقق أهدافها في تكوين أسرة ينعم فيها الزوجان والأولاد بالطمأنينة حرّم الإسلام أشكالاً من الزواج التي شاعت بين الناس في الجاهلية وعادت بأشكال وألوان مختلفة إلى حياة بعض الناس في الآونة الأخيرة نتيجة التحايل على شرع الله .

ومن أشكال الزواج التي ترفضها شريعة الإسلام ما يلي: زواج الخدن: ويطلق عليه الآن زواج البوي فرند وهو ارتباط رجل بامرأة في السر على سبيل الصداقة، وتكون بينهما علاقة جنسية محرمة يأباها الشرف والطهارة، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله سبحانه: محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان والمعنى: تزوجوا، أيها المسلمون، النساء العفيفات الطاهرات البعيدات عن كل سلوك قبيح، واتركوا الزواج بالنساء اللاتي يرتكبن الفواحش، ويصادقن الرجال لارتكاب ما نهى الله عنه .

ومن الزواج الفاسد الذي كان موجوداً في الجاهلية وحرمته شريعة الإسلام ما يسمى بزواج البدل، بأن يقول رجل لآخر: تنازل عن امرأتك لي وأنا أتنازل عن امرأتي لك وأزيدك كذا، وقد وقع بعض الجهلاء الأغبياء أخيراً في هذه الجريمة، وتم ضبط عناصر منحرفة تروّج لما يسمى تبادل الزوجات .

ومن الزواج الفاسد الذي كان موجوداً قبل الإسلام وحرمته شريعتنا الإسلامية زواج الشغار، بأن يتزوج رجل من امرأة من دون مهر مقابل أن يمنح أخته لشقيق زوجته من دون مهر .

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"